القائمة

عَ الحلوة والمُرّة | كتب المكوجي رسالة حُب فصنعته الأغنية شاعرًا

غرفة الأخبار ساعتين مضت 0 4.3 ألف

حينما تكون الكلمات صادقة تخرج من القلب بإخلاص تصل الى سمع البشر وتبقى خالدة لسنوات طويلة . . وهكذا كانت حروف رجل بسيط عبر عن مشاعره بتلقائية لتتحول كلماته الى أغاني شكلت فى نفوسنا وعي ومعاني مازالت تتردد أنغامها حتى اليوم.

لم يكن سيد مرسي يعرف أن الحب يمكن أن يفتح بابًا لم يكن يراه. ولم يكن يفكر في الشهرة، ولا في الأغاني، ولا في أن اسمه سيأتي يومًا على ألسنة الناس . . كان يعرف شيئًا واحدًا فقط : أنه يُحبها.

كانت تأتي كل صباح إلى محل المكوجي الصغير، تحمل بين ذراعيها ملابس البيت، وتضعها أمامه في هدوء.

فتاة بسيطة مثل آلاف الفتيات اللاتي يمررن كل يوم في شوارع القاهرة القديمة، لا تلفت انتباه أحد… لكنها بالنسبة إلى سيد كانت تُشبه صباحًا كاملًا يدخل إلى محله مع أول شعاع للشمس.

كان ينتظر موعد مجيئها أكثر مما ينتظر انتهاء يوم العمل،وحين تدخل، كان يحاول أن يبدو مشغولًا بالمكواة، بينما عيناه تلاحقان خطواتها.

كانت تضع الملابس وتقول:

— صباح الخير يا سيد.

فيجيبها، وهو يحاول أن يخفي فرحته:

— صباح النور… اتأخرتِ النهارده.

فتبتسم ابتسامتها الصغيرة:

— هو إنت مستنيني يعني؟

ويرد بسرعة، كأنه يخشى أن تضيع منه اللحظة:

— أمال مستني مين؟

فتضحك.

وكان ضحكها يكفيه.

لم يكن سيد يملك الكثير.

محل صغير، مكواة ساخنة، ساعات طويلة من التعب، وحلم لا يعرف كيف يقوله. لكنه كان يملك قلبًا ممتلئًا بها.

وكان كلما أراد أن يقول شيئًا، خانته الكلمات أمامها.

لذلك كان يكتب ما لا يستطيع أن يقوله وهو ينظر في عينيها.

رسائل صغيرة يخفيها بين الملابس. كلمات حب وعتاب وشوق. وكانت هي تعرف. وتقرأ. وتبتسم.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، أصبحت الملابس رسولًا بين قلبين. لكن الحب، حتى في أجمل أيامه، لا يخلو من لحظة غضب.

جاء يوم اختلفا فيه.

ربما كلمة خرجت في غير وقتها. وربما عتابًا زاد عن حده. أو ربما ذلك الكبرياء الصغير الذي يفسد أحيانًا أجمل الحكايات.

لم يكن الشجار كبيرًا. لكنه كان كبيرًا بما يكفي لكي تغادر وهي غاضبة. حملت الملابس. ومضت. دون أن تلتفت إليه.

ظل سيد واقفًا عند باب محله، ينظر إلى الطريق الذي ابتلعتها فيه. كان يستطيع أن يناديها. لكنه لم يفعل.

وكان يستطيع أن يلحق بها. لكنه بقي مكانه. ذلك الكبرياء الذي يمنع المحب أحيانًا من قول أبسط الكلمات:

“استني… أنا زعلان منك، بس بحبك.”

في تلك الليلة، لم ينم سيد. جلس وحده. والمكواة التي ظلت طوال النهار مشتعلة، أصبحت باردة.

أمامه ورقة صغيرة. وفي قلبه كلام كثير.

كان فقيرًا.

لا يملك باقة ورد يضعها أمام بابها. ولا خاتمًا يعتذر به.ولا سيارة يأخذها فيها بعيدًا عن زعلها. لم يكن يملك إلا القلم.

فأمسكه. وبدأ يكتب. كتب لها كما يكتب رجل خائف من أن يخسر المرأة الوحيدة التي جعلت أيامه مختلفة.

لم يكتب قصيدة. ولم يفكر في الوزن والقافية. كان يكتب قلبه.

كتب عن العِشرة.عن الأيام التي جمعتهما. عن الوعد الذي لا ينبغي أن تكسره كلمة عابرة.

عن الحلوة والمُرّة.

عن أن الحب الحقيقي ليس أن نحب بعضنا عندما تكون الدنيا جميلة فقط…بل أن نبقى معًا عندما تغضب الدنيا. وعندما نختلف. وعندما نتعب. وعندما يصبح الاعتذار أصعب من الخصام.

كتب كل ذلك. ثم طوى الورقة.

وفي صباح اليوم التالي، عاد إلى محله.كوى الملابس بعناية، كما يفعل كل يوم. ثم دس الورقة بينها.

وقال لنفسه: ستقرأها… وستعرف أني لسه بحبها.

لكنه لم يكن يعرف أن هذه المرة، لم تكن الورقة ذاهبة إليها وحدها.\ كانت ذاهبة إلى القدر.

خرجت الملابس من المحل. وانتقلت من يد إلى يد. حتى وصلت إلى بيت الشاعر الكبير مأمون الشناوي.

وفي صباح اليوم التالي، كان الشناوي يستعد للخروج. ارتدى بدلته. ثم مد يده إلى جيبه. فشعر بشيء. أخرج ورقة صغيرة. نظر إليها باستغراب. فتحها. وبدأ يقرأ.

توقف.ثم أعاد القراءة.لم تكن الكلمات مكتوبة بيد شاعر مشهور.ولم تكن قصيدة مصنوعة في مكتب فاخر.

كانت كلمات رجل بسيط. رجل يحب.ورجل يتألم. ورجل لا يعرف كيف يخفي مشاعره خلف الكلمات المنمقة. كان في الورقة شيء لا يُدرَّس. شيء لا تصنعه الشهرة.

الصدق. نظر مأمون الشناوي إلى الخادمة وسألها:

— مين كتب الكلام ده؟

ارتبكت. وقالت:

— معرفش يا أفندم.

لكن الشاعر ظل ينظر إليها. كان يعرف أن وراء هذه الورقة حكاية. وبعد لحظة صمت، خرج السر.

كان هناك مكوجي يحبها.وكان يكتب لها رسائل داخل الملابس.

ابتسم مأمون الشناوي. ربما لأنه تذكر أن الشعر الحقيقي لا يسكن بالضرورة في دواوين الشعراء.

أحيانًا…

يسكن في محل صغير. أمام مكواة ساخنة. وفي قلب رجل فقير لا يملك إلا أن يقول للحب:

أنا معاك عَ الحلوة والمُرّة.

طلب مأمون الشناوي أن يأتي سيد إليه. وصل سيد مترددًا. ربما كان يتساءل: هل وقعت في مشكلة؟

هل غضبت الخادمة؟هل كانت الرسالة سببًا في فضيحة؟دخل بيت الشاعر الكبير بخطوات مرتبكة. وقف أمامه.

رجل بسيط أمام اسم كبير.سأله مأمون الشناوي وهو يحمل الورقة:

— إنت اللي كتبت الكلام ده؟

خفض سيد رأسه. وقال بهدوء:

— أيوه.

سكت مأمون لحظة.

ثم سأله:

— وعندك كلام تاني؟

رفع سيد رأسه.

وللمرة الأولى، لم يكن ينظر إلى شاعر كبير. كان ينظر إلى رجل يريد أن يسمع ما في قلبه.

قال:

— عندي كتير.

وفي تلك اللحظة… تغير كل شيء. لم يعد سيد مرسي مجرد مكوجي يكتب لحبيبته رسائل سرية.

اكتشف أن الكلمات التي كان يظنها مجرد وسيلة للاعتذار…

كانت موهبته. وأن الحب الذي دخل حياته ليؤلمه… جاء أيضًا ليكشف له نفسه.

ومن تلك الورقة الصغيرة، بدأت رحلة أخرى. رحلة أخذت الكلمات من جيب بدلة… إلى عالم الموسيقى. ومن قصة حب بسيطة، إلى أغنية بقيت في ذاكرة الناس:

عَ الحلوة والمُرّة…

وربما لم يكن أجمل ما في الحكاية أن الأغنية وُلدت. ولا أن سيد مرسي أصبح شاعرًا معروفًا.

بل أن كل ذلك بدأ من امرأة غاضبة… ورجل خائف من فقدانها. ورسالة لم تصل إلى صاحبتها.

لكنها وصلت إلى المكان الذي كان ينتظرها فيه القدر. لأن بعض رسائل الحب لا تضيع.

حتى لو أخطأت الطريق. بعضها يخرج من قلب رجل بسيط، ويتوه بين الملابس والجيوب والأيدي…

ثم يجد طريقه، بطريقة لا يعرفها أحد، إلى قلوب الملايين. وهكذا كتب سيد مرسي رسالة ليقول لامرأة واحدة:

“لا تتركيني.”

فسمعتها مصر كلها.وظلت تردد معه، بعد سنوات طويلة:

عَ الحلوة والمُرّة… مش كنا…

فالحب أحيانًا لا يمنحنا فقط شخصًا نحبه.

أحيانًا…

يمنحنا الحياة التي لم نكن نعرف أنها تنتظرنا.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *