القائمة

بشار الأسد.. حُكم بالإعدام في دمشق وحياة مُترفة تحت حماية بوتين في موسكو

غرفة الأخبار يومين مضت 0 5.4 ألف

بينما ينتظر السوريون تطبيق العدالة، يعيش الرجل المُتهم بجرائم ضد الإنسانية في واحدة من أكثر مناطق موسكو رفاهية، بعيداً عن المحاكم والسجون، وتحت مظلة الحماية الروسية.

لم يكن بشار الأسد مُجرد رئيس خسر السلطة وحُكم بلده وغادر وطنه الأصلي. بالنسبة إلى مئات الآلاف من السوريين، هو الرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات طويلة بممارسة القمع والاعتقال والتعذيب والحرب والدمار.

واليوم، بينما صدر بحقه حكم قضائي بالإعدام غيابياً بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يعيش الأسد حياة بعيدة تماماً عن صورة الرجل الهارب من العدالة.

فالرئيس السوري السابق يُقيم في موسكو، في منزل فاخر داخل إحدى المناطق الراقية، مُحاطاً بأسرته، وتحت حماية مُباشرة من النظام الروسي والرئيس فلاديمير بوتين.

المفارقة هنا ليست فقط أن رجلاً صدر بحقه حكم بالإعدام يعيش حُراً، بل إن حياة الرفاهية التي يعيشها تطرح سؤالاً أكثر قسوة: كيف يمكن لرجل يُتهم بالمسؤولية عن مقتل مئات الآلاف من أبناء شعبه أن ينتهي به الأمر آمناً، محمياً، ومرفهاً، بينما لا يزال ملايين السوريين يعيشون آثار الحرب واللجوء والفقدان؟

من قصر الرئاسة الى منفى غاية فى الرفاهية عندما وصل بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، ورث بلداً وحكماً ونظاماً أمنياً بناه والده حافظ الأسد على مدى عقود.

في البداية، حاول البعض رسم صورة مُختلفة للرئيس الجديد: طبيب عيون تلقى تعليمه في الغرب، رجل هادئ، يتحدث الإنجليزية، وربما يحمل فرصة لتحديث سوريا وفتح باب للإصلاح.

لكن السنوات التالية أظهرت وجهاً آخر.

استمر القمع السياسي، وظلت أجهزة الأمن لاعباً أساسياً في الحياة العامة، ثم جاءت انتفاضة عام 2011 لتكشف طبيعة النظام بصورة أكثر دموية.

خرج السوريون إلى الشوارع مُطالبين بالحُرية والتغيير، لكن الرد لم يكن حواراً سياسياً حقيقياً، بل مواجهة أمنية وعسكرية سرعان ما دفعت البلاد نحو واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين. فتحولت سوريا إلى بلد منكوب.

مدن دُمرت، وملايين نزحوا من بيوتهم أو فروا إلى خارج البلاد، وعائلات فقدت أبناءها في السجون أو تحت القصف أو في طرق الهجرة.

وفي الوقت الذي كان السوريون يدفعون ثمن الحرب، ظل الأسد يتمسك بالسُلطة، مُستنداً إلى القوة العسكرية والأجهزة الأمنية، ثم إلى دعم حلفائه، وفي مقدمتهم روسيا.

وروسيا لم تُنقذ الأسد فقط بل وفرت له ملاذا آمنا وكان التدخل الروسي في سوريا نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب.

فالدعم العسكري والسياسي الذي قدمته موسكو ساعد نظام الأسد على الصمود واستعادة السيطرة على مناطق واسعة، رغم الاتهامات الدولية المتكررة المتعلقة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

وعندما انتهى الأمر بسقوط نظامه وفراره من دمشق عام 2024، لم يكن الطريق إلى المنفى مجهولاً. كانت موسكو في انتظاره.

روسيا التي وقفت إلى جانبه طوال سنوات الحرب أصبحت أيضاً الملاذ الذي وفر له الحماية بعد خسارة السُلطة.

واليوم، لا يبدو أن الكرملين مُستعد لتسليم الرجل الذي احتضنه لسنوات، حتى بعد صدور حكم قضائي بحقه.

وهنا لا يتعلق الأمر ببشار الأسد وحده.

فتسليمه قد يفتح سؤالاً أكبر بالنسبة إلى روسيا: ماذا عن بقية الحُلفاء الذين قد يحتاجون يوماً إلى الهروب؟

بالنسبة إلى بوتين، حماية الأسد ليست مُجرد مسألة شخصية، بل رسالة سياسية.

رسالة تقول إن من يلجأ إلى موسكو، خاصة إذا كان حليفاً استراتيجياً، يمكن أن يجد فيها ملاذاً آمناً.

لكن هذه الرسالة السياسية تأتي على حساب رسالة أخرى أكثر أهمية بالنسبة إلى ضحايا الحرب:

حياة الرفاهية مقابل حياة الضحايا : وفقاً لما كشفته تحقيقات صحفية، تعيش عائلة الأسد في واحدة من المناطق الراقية في موسكو.

لا سجن، ولا إقامة جبرية، ولا عُزلة قانونية.

بل منزل كبير وحياة مريحة، بينما يبدو أن أبناء الأسد يتمتعون بحرية الحركة والسفر وإقامة الحفلات والتنقل بين وجهات مختلفة.

أما بشار الأسد نفسه، فيعيش بعيداً عن الأضواء.

لم يعد الرجل الذي تظهر صوره في ساحات دمشق أو خلف المنابر الرسمية، ولم يعد رئيساً لدولة.

لكنه أيضاً ليس سجيناً.

وهذه هي المفارقة التي تجعل قصة الأسد أكثر إثارة للغضب.

رجل خسر بلاده، لكنه لم يخسر حريته.

رجل صدر بحقه حكم بالإعدام، لكنه يعيش في حماية دولة عظمى.

رجل يُتهم بجرائم ضد الإنسانية، بينما تقضي عائلات سورية سنوات طويلة في البحث عن أبنائها المفقودين في السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية.

أما أسماء الأسد فلم تكن مجرد زوجة تقف إلى جانب زوجها في المناسبات الرسمية فقط بل شريكة فى السُلطة.

على مدى سنوات، عملت الدعاية السياسية والإعلامية على تقديمها باعتبارها نموذجاً للمرأة العصرية: متعلمة، أنيقة، بريطانية المولد، وقريبة من الناس.

حتى إنها لُقبت في وقت ما بـ«وردة الصحراء»، وقورنت بالأميرة ديانا.

لكن هذه الصورة اللامعة أصبحت موضع تساؤل واسع مع تصاعد الاتهامات ضد النظام السوري.

فمن الصعب فصل صورة أسماء الأسد عن النظام الذي كانت جزءاً من دائرته الحاكمة.

ربما لم تحمل السلاح بنفسها، وربما لم تصدر بحقها الأحكام نفسها التي صدرت بحق زوجها، لكن وجودها في قلب السلطة خلال سنوات الحرب يجعلها جزءاً من قصة نظام لا يمكن اختزالها في صور الأزياء الأنيقة أو الخطابات الإنسانية.

واليوم تعيش هي الأخرى في موسكو، بينما تستمر صورة الأسرة في التناقض الصارخ مع واقع ملايين السوريين الذين يعيشون في مخيمات اللجوء أو في المنافي.

صدور حكم بالإعدام غيابياً ضد بشار الأسد يحمل قيمة قانونية ورمزية كبيرة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤال التنفيذ : أين العدالة.

ما قيمة الأحكام إذا كان المحكوم عليه يعيش خارج البلاد تحت حماية قوة كبرى؟

وما الذي يمكن أن تفعله العدالة الوطنية عندما تصطدم بحسابات السياسة الدولية؟

هذه ليست قضية سورية فقط.

إنها واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجه فكرة العدالة الدولية: يستطيع الضحايا أن يقدموا الأدلة، ويمكن للمحاكم أن تصدر الأحكام، لكن تنفيذ العدالة يحتاج في النهاية إلى تعاون الدول.

وعندما تصبح الدولة التي تحمي المتهم أقوى من الدولة التي تطالب بمحاكمته، تتحول العدالة إلى معركة سياسية بقدر ما هي معركة قانونية.

قد يكون بشار الأسد قد خسر الحكم، لكنه لم يخسر أهم حليف له.

وهذا ربما هو السبب الرئيسي الذي يجعله اليوم آمناً في موسكو.

بوتين يعرف أن تسليم الأسد لن يكون مجرد قرار يتعلق برجل واحد، بل سيكون اعترافاً ضمنياً بأن الحماية الروسية لها حدود.

ولهذا يبدو أن الأسد، في الوقت الراهن، أكثر أماناً في موسكو مما كان كثير من ضحاياه في بلادهم.

وهنا تكمن القسوة السياسية للقصة.

رئيس حكم بلداً بالقوة، وارتبط اسمه بواحدة من أكثر الحروب مأساوية في العصر الحديث، انتهى به الأمر في «منفى فاخر».

أما ضحاياه، فبعضهم يعيش في مخيمات، وبعضهم في المنافي، وبعضهم لا يزال يبحث عن قريب اختفى منذ سنوات.

ربما لا يستطيع الحكم الصادر بحق بشار الأسد أن يصل إليه اليوم.

وربما تحميه موسكو سنوات أخرى.

لكن الحكم يظل شاهداً على مرحلة لن يستطيع المنفى الفاخر محوها.

فالتاريخ السياسي قد يسمح أحياناً للمهزوم بالهرب، وقد تمنح القوى الكبرى الحماية لحلفائها، لكن ذلك لا يلغي ذاكرة الضحايا.

بشار الأسد يعيش اليوم بعيداً عن دمشق، تحت حماية بوتين، في مدينة لم تصل إليها أصوات السجون السورية ولا رائحة المدن المدمرة.

لكن السؤال سيظل قائماً:

كيف يمكن لرجل صدر بحقه حكم بالإعدام بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أن يعيش حراً في واحدة من أغنى عواصم العالم؟

إنها ليست فقط قصة ديكتاتور هارب.

إنها قصة عالم تستطيع فيه القوة السياسية أحياناً أن تؤجل العدالة.

ولكنها، مهما طال الزمن، لا تستطيع أن تمحو السؤال الذي يلاحق الضحايا وذويهم:

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *