سؤال بسيط، لكنه ربما يكون من أصعب الأسئلة التي يُمكن أن تُطرح على خبراء الاقتصاد في مصر
لماذا نحن فُقراء؟
كتب | سعيد السُبكي
السؤال ليس اتهامًا لأحد، وليس إنكارًا لما تحقق في مصر من مشروعات وإنجازات، وإنما هو سؤال المواطن العادي الذي ينظر حوله، فيرى بلدًا يمتلك كل هذه الإمكانات، ثم ينظر إلى مستوى معيشته، فيسأل بحيرة:
كيف يمكن لبلد بهذه الثروات أن يعاني كل هذه الأزمات الاقتصادية
مصر ليست دولة فقيرة بالمعنى الطبيعي للكلمة.
مصر دولة لديها قصور في إدارة واستثمار جزء كبير من إمكاناتها، وهذه مسألة مختلفة تمامًا.
لدينا نهر النيل، الذي يمتد داخل الأراضي المصرية لنحو 1532 كيلومترًا، ثم يتفرع شمال القاهرة إلى فرعي دمياط ورشيد، ليصنع واحدة من أخصب مناطق الدلتا الزراعية.
* بحيرة ناصر، واحدة من أكبر البُحيرات الصناعية في العالم، خلف السد العالي، وثروة مائية وسمكية وزراعية وسياحية هائلة.
* شبكة هائلة من الترع والقناطر ومشروعات الري التي تراكمت عبر قرون، وكان لمحمد علي باشا ومن جاء بعده دور كبير في بناء منظومة الري الحديثة.
* البحر المتوسط شمالًا، والبحر الأحمر شرقًا، وسواحل طويلة يمكن أن تكون أساسًا لصناعة سياحية وبحرية ولوجستية ضخمة.
* قناة السويس؛ ذلك الممر المائي الذي يربط الشرق بالغرب، ويختصر طريق التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
ولدينا أيضًا موقع جغرافي لا تملكه مُعظم دول العالم.
مصر ليست فقط دولة تقع على خريطة العالم.
مصر تقع في قلب الخريطة.
لدينا البترول والغاز الطبيعي.
مصر تمتلك احتياطيات وإمكانات كبيرة من الغاز والبترول، كما تمتلك بنية تحتية للطاقة وموانئ ومحطات إسالة، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي ليس: هل لدينا الغاز؟
بل:
كم القيمة المضافة التي نحصل عليها من كل متر مكعب من الغاز؟
وهنا تبدأ المُشكلة الاقتصادية الحقيقية.
فالبلد الغني بالموارد لا يصبح غنيًا بمجرد امتلاك الموارد.
الثروة الحقيقية هي القُدرة على تحويل المورد إلى صناعة، والصناعة إلى تصدير، والتصدير إلى عُملة صعبة، والعُملة الصعبة إلى استثمار وفرص عمل وارتفاع في دخول المواطنين.
ومصر لا تملك الغاز والبترول فقط.
* الفوسفات، وهو من أهم الثروات التعدينية المصرية، وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن مصر جاءت في المرتبة الثالثة عالميًا من حيث احتياطيات صخر الفوسفات في بيانات 2024، بعد المغرب والصين.
ولدينا الذهب.
الصحراء الشرقية المصرية تحتوي على تاريخ طويل من تعدين الذهب، ومن أشهر مناطقها منجم السكري، الذي يحتوي على رواسب ضخمة؛ وتشير دراسة منشورة عبر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن رواسب السكري تتجاوز 15 مليون أوقية من الذهب.
ولدينا الحديد والمنجنيز والنحاس والرصاص والزنك والكوارتز والجبس والحجر الجيري وغيرها من الخامات.
وتشير البيانات الحكومية المصرية إلى تنوع هائل في الثروة المعدنية، من خامات الطاقة إلى المعادن الفلزية وغير الفلزية، فضلًا عن إمكانات الرمال البيضاء والمواد المُستخدمة في صناعات الزجاج والطاقة الشمسية وغيرها.
إذن السؤال مرة أخرى:
لماذا لا تتحول هذه الثروة المعدنية إلى صناعة مصرية ضخمة؟
لماذا لا يكون تصدير الخام هو الاستثناء، بينما تكون القاعدة هي تصنيعه داخل مصر؟
لماذا لا نبيع المنتج النهائي بدلًا من بيع جزء من المادة الخام ثم استيراد منتجات مصنعة منها بأسعار أعلى؟
ثم نأتي إلى الزراعة.
مصر بلد زراعي تاريخيًا.
القمح، والأرز، والذرة، والقطن، وقصب السكر، والبنجر، والخضروات والفاكهة.
ولدينا خبرات زراعية تراكمت منذ آلاف السنين، ولدينا دلتا النيل ووادي النيل ومشروعات الاستصلاح الزراعي الجديدة.
والدولة نفسها أعلنت خططًا لإضافة ملايين الأفدنة إلى الرقعة الزراعية، من بينها مشروعات الدلتا الجديدة وتوشكى.
ولدينا الثروة الحيوانية:
الأبقار، والجاموس، والأغنام، والماعز، والدواجن، والأسماك.
ولدينا بحيرات ومصايد وبحران وسواحل طويلة.
فلماذا لا تصبح مصر قوة إقليمية في الأمن الغذائي والصناعات الغذائية؟
لماذا نستورد منتجات غذائية يمكن أن ننتجها أو ننتج بدائلها محليًا؟
ثم تأتي السياحة.
مصر لا تحتاج إلى اختراع تاريخ حتى تجذب السياح.
التاريخ موجود. الأهرامات . أبو الهول . الأقصر . أسوان .المتاحف . المعابد . النيل . البحر الأحمر .الساحل الشمالي . سيناء .الصحراء .
.
والشعاب المرجانية في البحر الأحمر ثروة طبيعية هائلة.
بل إن مصر تمتلك عشرات المحميات الطبيعية التي تضم جبالًا وصحارى وشعابًا مرجانية وغابات مانجروف وبيئات نادرة. وتذكر بيانات حكومية حديثة أن مصر تضم 30 محمية طبيعية.
ومع ذلك، فإن العائد السياحي لا يزال أقل بكثير مما يمكن أن تحققه دولة بحجم مصر وتنوعها الحضاري والطبيعي.
بلغت إيرادات السياحة المصرية نحو 14.1 مليار دولار في 2024 وفق بيانات نقلتها رويترز، وواصل القطاع النمو بعد ذلك.
لكن السؤال ليس فقط:
كم سائحًا يأتي إلى مصر؟
السؤال الأهم:
كم ينفق السائح في مصر؟ وكم يومًا يبقى؟ وكم وظيفة يخلقها؟ وكم صناعة مصرية تستفيد من وجوده؟
ولدينا ثروة أخرى لا نتحدث عنها بما يكفي:
الموقع.
مصر دولة على مفترق طرق التجارة العالمية.
قناة السويس.
الموانئ.
البحر المتوسط.
البحر الأحمر.
الحدود مع إفريقيا والعالم العربي.
القرب من أوروبا.
كل ذلك يجعل مصر مؤهلة لأن تكون مركزًا عالميًا للخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير والصناعات المرتبطة بالنقل البحري.
لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع دولة غنية.
الإدارة الاقتصادية للموقع هي التي تصنع الثروة.
ولدينا ثروة أخرى ربما تكون الأهم:
المصري نفسه.
أكثر من مئة مليون إنسان.
سوق استهلاكية ضخمة.
أطباء. مهندسون. علماء. مدرسون. عمال. حرفيون. مزارعون. أصحاب مشروعات. وملايين المصريين في الخارج.
.
والدليل على قوة المصريين اقتصاديًا أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج بلغت نحو 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، وفق البنك المركزي المصري، في رقم قياسي غير مسبوق.
تخيلوا لو استطعنا تحويل جزء من هذه القوة المالية والبشرية من مجرد تحويلات واستهلاك إلى استثمارات منتجة وشركات ومصانع وتكنولوجيا.
كم ستكون قوة الاقتصاد المصري؟
ولدينا كذلك الشمس.
مصر من الدول التي تتمتع بموارد هائلة من الطاقة الشمسية.
ولدينا الرياح، خصوصًا في مناطق خليج السويس.
ولدينا إمكانات الهيدروجين الأخضر.
وتشير بيانات حكومية إلى أن مصر تعمل على مشروعات للطاقة المتجددة، بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما خصصت مساحات واسعة لمشروعات الهيدروجين الأخضر.
إذن لدينا:
الشمس، والرياح، والمياه، والغاز، والبترول، والذهب، والفوسفات، والحديد، والرمال البيضاء، والبحار، والموانئ، وقناة السويس، والزراعة، والثروة الحيوانية، والثروة السمكية، والسياحة، والموقع الجغرافي، والسوق المحلية، والمصري في الداخل والخارج.
فماذا ينقصنا؟
ربما ينقصنا شيء لا يوجد في باطن الأرض.
ينقصنا اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك.
ينقصنا أن نتوقف عن النظر إلى الثروة باعتبارها شيئًا نستخرجه ونبيعه، ونبدأ في النظر إليها باعتبارها سلسلة قيمة كاملة.
الذهب ليس مجرد ذهب.
إنه تعدين، وتكرير، وصناعة، ومجوهرات، وتكنولوجيا، وتصدير.
الفوسفات ليس مجرد صخر.
إنه أسمدة وصناعات كيماوية وتصدير.
الرمال البيضاء ليست مجرد رمال.
إنها زجاج متقدم، وصناعات تكنولوجية، وربما مكونات تدخل في صناعات الطاقة والإلكترونيات.
الغاز ليس مجرد وقود.
إنه بتروكيماويات وأسمدة وصناعات كثيفة الطاقة.
القطن ليس مجرد محصول.
إنه غزل ونسيج وملابس ومنتجات نهائية تحمل اسم صنع في مصر.
السائح ليس مجرد شخص يدخل الفندق.
إنه طيران، وفنادق، ومطاعم، ونقل، وآثار، وحرف، وتسوق، وخدمات، وعملة صعبة.
وقناة السويس ليست مجرد رسوم عبور.
إنها فرصة لإنشاء مراكز لوجستية وصناعات وخدمات وموانئ ومناطق تصدير.
لذلك ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه على خبراء الاقتصاد في مصر مختلفًا:
هل مصر فقيرة فعلًا؟
أم أن المشكلة أن لدينا ثروات كثيرة، لكننا لم ننجح بالقدر الكافي في تحويلها إلى قيمة مضافة وإنتاج وتصدير ودخل للمواطن؟
لماذا يستطيع بلد صغير بلا موارد طبيعية هائلة أن يصبح غنيًا؟
لأنه لا يبيع ما لديه فقط.
بل يصنع المعرفة، ويصدر التكنولوجيا، ويستثمر الإنسان، ويبني المؤسسات، ويحسن الإدارة.
وهنا نصل إلى جوهر القضية.
مصر لا تحتاج فقط إلى البحث عن موارد جديدة.
مصر تحتاج إلى تعظيم العائد من الموارد التي لديها بالفعل.
تحتاج إلى اقتصاد يجعل المواطن يشعر بأن ثروة بلده موجودة في حياته اليومية، لا في التقارير الحكومية فقط.
لأن المواطن عندما يسمع أن بلاده لديها ذهب وفوسفات وغاز وسياحة وقناة السويس وزراعة وبحار وموانئ وشمس ورياح وملايين المصريين في الخارج، ثم يجد نفسه يكافح من أجل الطعام والسكن والتعليم والعلاج، فمن الطبيعي أن يسأل.
أين تذهب كل هذه الثروة؟
وهذا السؤال ليس عيبًا.
بل هو السؤال الذي يجب أن يبدأ منه الإصلاح.
مصر ليست بلدًا بلا موارد.
مصر بلد لديه موارد هائلة، لكن التحدي الحقيقي هو: كيف تتحول هذه الموارد إلى ثروة حقيقية في يد الدولة والمجتمع والمواطن؟
وهنا، تحديدًا، ننتظر إجابة خُبراء الاقتصاد في مصر: لماذا نحن فقراء؟
