القائمة

ابن مصر في قلب المعركة الأمريكية… ماذا يعني صعود عبدول السيد؟

غرفة الأخبار يوم واحد مضت 0 3.9 ألف

د. ماجدة محمود

لم تبدأ قصة عبدول السيد في واشنطن، ولم تبدأ أيضًا داخل أروقة الحزب الديمقراطي الأمريكي، وإنما بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، مع أسرة مصرية عبرت المحيط بحثًا عن فرصة جديدة، لتنتهي بعد جيل واحد فقط عند أبواب واحدة من أهم المؤسسات السياسية في العالم. ففي الرابع من أغسطس 2026، حسم الناخبون الديمقراطيون في ولاية ميشيجان معركة الانتخابات التمهيدية لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي، واختاروا عبدول السيد مرشحًا للحزب في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل، ليصبح الرجل على بعد خطوة واحدة من دخول مجلس الشيوخ، وإذا نجح في الفوز بالمقعد فسيصبح أول مسلم في تاريخ الولايات المتحدة يصل إلى هذه المؤسسة التشريعية. لكن بالنسبة لنا في مصر، فإن الخبر يحمل دلالة أخرى لا تقل أهمية عن دلالته الأمريكية، فالرجل الذي أصبح اليوم واحدًا من أبرز الوجوه السياسية الصاعدة في الولايات المتحدة هو أمريكي من أصل مصري، ابن مهاجر مصري، استطاع أن ينتقل من قصة أسرة مهاجرة إلى قلب الحياة السياسية الأمريكية.

وهنا تبدأ القصة التي تستحق أن نتوقف أمامها مصريًا، لا باعتبار عبدول السيد «مرشح مصر»، فهو ليس كذلك، ولا باعتباره ممثلًا للحكومة المصرية أو للسياسة المصرية، فهو مواطن أمريكي يخوض انتخابات أمريكية وله رؤيته وبرنامجه السياسي، وإنما باعتباره واحدًا من أبناء الأسر المصرية التي استطاعت أن تبني لنفسها مكانًا مؤثرًا في المجتمعات التي هاجرت إليها. فوالده محمد السيد مهاجر مصري، ومنها بدأت رحلة الابن الذي ولد ونشأ في ميشيجان، ودرس في جامعة ميشيجان، ثم حصل على الطب من جامعة كولومبيا والدكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد، قبل أن يعمل في مجال الصحة العامة ويتولى مسؤوليات بارزة في ديترويت ومقاطعة واين. وبذلك فإن قصة عبدول لا تختصر في السياسة وحدها، وإنما تحمل في داخلها قصة جيل من المصريين الذين خرجوا من وطنهم بحثًا عن فرصة، ثم استطاع أبناؤهم أن يصلوا إلى مواقع لم يكن من السهل تخيلها قبل عقود.
ولهذا فإن وصول عبدول إلى هذه المرحلة السياسية يجب أن يلفت انتباه مصر، ولكن من زاوية مختلفة تمامًا عن فكرة التدخل في الانتخابات الأمريكية. فالقاهرة ليست طرفًا في هذا الاستحقاق، ولا ينبغي أن تقدم الرجل باعتباره «مرشحًا مصريًا»، وإنما يمكنها أن ترى في نجاحه المحتمل نموذجًا من نماذج القوة الناعمة المصرية في الخارج، وأن تنظر إلى المصريين الذين أصبحوا جزءًا مؤثرًا من المجتمعات الأخرى باعتبارهم امتدادًا طبيعيًا لحضور مصر في العالم. فالقوة الناعمة للدول لا تصنعها الحكومات وحدها، وإنما يصنعها أيضًا أبناؤها الذين ينجحون في العلم والاقتصاد والثقافة والإعلام والسياسة، ويصبحون جزءًا من دوائر التأثير في الدول التي يعيشون فيها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح عبدول السيد أكثر من مجرد اسم في انتخابات أمريكية. فهو ابن مهاجر مصري استطاع أن يصل إلى واحدة من أصعب ساحات المنافسة السياسية في الولايات المتحدة، ولم يصل إليها بسبب أصله أو ديانته وحدهما، وإنما نتيجة مسيرة مهنية وأكاديمية وسياسية طويلة جعلته قادرًا على مخاطبة الناخب الأمريكي بلغته وقضاياه وهمومه. وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم سر صعوده؛ لأن عبدول لم يخض الانتخابات على أساس أنه «مرشح المسلمين» أو «مرشح العرب»، وإنما قدم نفسه باعتباره سياسيًا أمريكيًا يحمل مشروعًا يتعلق بما يراه أزمات حقيقية داخل المجتمع الأمريكي، من ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية والديون الطبية إلى نفوذ الشركات الكبرى والمال السياسي، ومن قضايا الهجرة إلى السياسة الخارجية والحروب التي يرى أنها تستنزف أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
ومن هنا أصبحت معركته داخل الحزب الديمقراطي أكبر من مجرد منافسة بين شخصين. فقد واجه النائبة هيلي ستيفنز، التي كانت تتمتع بدعم قوي من قطاعات داخل المؤسسة الديمقراطية، بينما استطاع هو أن يبني قاعدة شعبية واسعة، معتمدًا بدرجة كبيرة على التبرعات الصغيرة والمتطوعين، في الوقت الذي ضخت فيه جماعات مؤيدة لإسرائيل وشبكات سياسية مرتبطة بها عشرات الملايين من الدولارات في محاولة لدعم منافسته ومنع صعوده. وأصبحت الانتخابات التمهيدية في ميشيجان، بذلك، اختبارًا واضحًا لقوة المال السياسي في مواجهة التنظيم الشعبي.

والنتيجة كانت لافتة؛ فقد فاز عبدول.
ولا يعني ذلك أن المال السياسي فقد نفوذه في الولايات المتحدة، ولا أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل انتهى تأثيرها، فهذه استنتاجات أكبر من الحدث، لكن النتيجة أظهرت أن المال لم يعد قادرًا دائمًا على ضمان النتيجة، وأن هناك شريحة من الناخبين الأمريكيين أصبحت أكثر استعدادًا لمساءلة المصالح التي تقف وراء الإنفاق السياسي، وأكثر اهتمامًا بمعرفة من يدعم المرشح ولماذا، وما الذي يمكن أن يحصل عليه المواطن الأمريكي في المقابل.
وهنا تأتي واحدة من أكثر نقاط القوة في خطاب عبدول. فهو عندما ينتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يقدم المسألة باعتبارها قضية خارجية بعيدة عن المواطن الأمريكي، وإنما يعيدها إلى الداخل، إلى حياة الأمريكي نفسه، ويسأل بصورة مباشرة عن الأولويات: هل ينبغي أن تستمر مليارات الدولارات في الذهاب إلى الحروب والمساعدات العسكرية الخارجية بينما يعاني مواطنون أمريكيون من الديون الطبية، وارتفاع تكلفة العلاج والسكن والتعليم؟ ومن خلال هذا الخطاب استطاع أن ينقل النقاش من الشرق الأوسط إلى المواطن الأمريكي، ومن إسرائيل وفلسطين إلى سؤال الضرائب والإنفاق العام.
وهذا التحول مهم للغاية، لأنه يعكس تغيرًا بدأ يظهر داخل قطاعات من الحزب الديمقراطي، خصوصًا بين الشباب والتقدميين، بعد حرب غزة وما تبعها من احتجاجات جامعية ونقاشات واسعة حول الدعم الأمريكي لإسرائيل. فالموقف من إسرائيل لم يعد قضية مغلقة داخل الحزب الديمقراطي كما كان في فترات سابقة، وأصبح هناك جيل سياسي جديد أكثر استعدادًا لانتقاد الحكومة الإسرائيلية، ومراجعة حجم المساعدات العسكرية، وربط السياسة الخارجية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.

عبدول السيد وجد نفسه في قلب هذه اللحظة.. لكن اختزال تجربته في موقفه من إسرائيل سيكون ظلمًا للقصة نفسها؛ فهو يطرح مشروعًا سياسيًا أوسع، يتحدث فيه عن الرعاية الصحية الشاملة، وتخفيف الديون الطبية، ومواجهة احتكار الشركات الكبرى، وتقليص نفوذ المال السياسي، وإصلاح سياسات الهجرة، وتحسين أوضاع الطبقة العاملة. ولهذا حصل على دعم عدد من أبرز وجوه الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، مثل السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وغيرهما، وأصبح يمثل بالنسبة إلى أنصاره صورة لسياسي يريد تحدي المؤسسة التقليدية وإعادة توجيه الحزب نحو قضايا المواطن الأمريكي اليومية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبح فوزه في ميشيجان ذا دلالة تتجاوز الولاية نفسها. فميشيجان ليست مجرد ولاية أمريكية عادية، وإنما ولاية صناعية مهمة، ولها وزن انتخابي كبير، كما تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة. ولذلك فإن وصول عبدول إلى الانتخابات العامة يمثل تداخلًا بين عدة تحولات في المجتمع الأمريكي: صعود الجيل التقدمي، تنامي حضور العرب والمسلمين سياسيًا، تراجع قدرة المؤسسة الحزبية على فرض اختياراتها على الناخبين، وتصاعد الغضب من المال السياسي، إلى جانب إعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه الحروب والصراعات الخارجية.

لكن وسط كل هذه المعاني الأمريكية، تظل هناك دلالة مصرية خاصة لا ينبغي أن تضيع.. فالرجل الذي يخوض هذه المعركة أمريكي، نعم، لكنه يحمل في خلفيته قصة أسرة مصرية. وهذا أمر له قيمة معنوية وسياسية بالنسبة إلى مصر، ليس لأن عبدول يمثلها، وإنما لأن نجاحه يثبت مرة أخرى أن المصريين الذين خرجوا إلى العالم قادرون على الوصول إلى مواقع تأثير حقيقية، وأن أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين يمكن أن يتحولوا من مجرد أفراد يعيشون في الخارج إلى شخصيات تشارك في صناعة القرار داخل الدول التي أصبحوا جزءًا من مجتمعاتها.
وهنا ربما تحتاج مصر إلى إعادة النظر في مفهوم علاقتها بالمصريين في الخارج. فالمصري في الخارج ليس فقط شخصًا يرسل تحويلات مالية إلى أسرته، أو يعود إلى مصر في الإجازات، وإنما يمكن أن يكون عالمًا في جامعة كبرى، أو طبيبًا يقود مؤسسة صحية، أو رجل أعمال، أو إعلاميًا، أو شخصية سياسية تصل إلى الكونغرس الأمريكي. وكل نجاح من هذه النجاحات يمثل بطريقة أو بأخرى جزءًا من صورة مصر في العالم.

عبدول السيد يقدم نموذجًا واضحًا لهذه القوة الناعمة غير المباشرة. فهو لم يصل إلى هذه المرحلة لأنه يحمل اسمًا مصريًا، وإنما لأنه نجح في المجتمع الأمريكي، وحصل على أفضل فرص التعليم، وبنى لنفسه خبرة مهنية وسياسية، ثم استخدم هذه الخبرة في خوض الانتخابات. لكن حقيقة أن والده مهاجر مصري تجعل نجاحه بالنسبة لنا قصة ذات معنى إضافي؛ قصة تقول إن جذور الإنسان يمكن أن تظل جزءًا من سيرته حتى عندما يصبح جزءًا كاملًا من وطن جديد.

ولهذا فإن مصر تستطيع أن تنظر إلى هذه التجربة بإيجابية، من دون أن تتدخل في الانتخابات أو تتعامل مع عبدول باعتباره ممثلًا لها. يمكنها أن تحتفي بنجاح أحد أبناء الأسر المصرية، وأن تعزز تواصلها مع المصريين الأمريكيين، وأن تدعم جسور التواصل الثقافي والمجتمعي مع الأجيال الجديدة التي ولدت في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها، لأن هؤلاء الأبناء قد يصبحون في المستقبل جزءًا من النخب السياسية والاقتصادية والعلمية في الدول التي يعيشون فيها.
وإذا فاز عبدول في نوفمبر، فإن المسألة ستأخذ بعدًا تاريخيًا أكبر. لن يكون فقط أول مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي، وإنما سيكون أيضًا أحد أبرز السياسيين الأمريكيين من أصول مصرية الذين وصلوا إلى هذا المستوى الاتحادي من صناعة القرار. وسيدخل مؤسسة تشارك في صياغة السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية، بما في ذلك السياسة المتعلقة بالشرق الأوسط والمساعدات الخارجية والعلاقات الدولية.
لكن الطريق إلى ذلك لا يزال مفتوحًا على معركة صعبة. فالفوز بالترشيح الديمقراطي لا يعني الفوز بمقعد مجلس الشيوخ، وعبدول سيواجه في نوفمبر المرشح الجمهوري مايك روجرز في معركة ستختلف تمامًا عن الانتخابات التمهيدية. وسيحاول خصومه تقديمه باعتباره ممثلًا للجناح اليساري المتطرف، بينما سيحاول هو أن يجعل الانتخابات استفتاءً على قضايا المواطن الأمريكي: الرعاية الصحية، وتكلفة الحياة، والديون، والوظائف، والمال السياسي، ودور الولايات المتحدة في الحروب الخارجية.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي: هل يستطيع عبدول أن يحول الزخم الذي صنعه داخل الحزب الديمقراطي إلى تحالف انتخابي أوسع يستطيع الفوز في انتخابات عامة؟
إذا نجح، فسوف يدخل التاريخ من أكثر من باب. وإذا لم ينجح، فلن تختفي الظاهرة التي يمثلها، لأن مجرد وصوله إلى هذه المرحلة أثبت أن مساحة النقاش السياسي الأمريكي تغيرت، وأن المرشح الذي يرفض الصمت في قضايا كانت شديدة الحساسية يستطيع أن يجد لنفسه قاعدة انتخابية حقيقية.

ولهذا فإن قصة عبدول السيد لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها قصة رجل مصري الأصل يحاول الوصول إلى مجلس الشيوخ الأمريكي فحسب، وإنما باعتبارها قصة مجتمع أمريكي يتغير، وحزب سياسي يعيد تعريف نفسه، وجيل جديد يريد أن يسأل عن العلاقة بين المال والسياسة، وبين الحرب والإنفاق العام، وبين السياسة الخارجية واحتياجات المواطن في الداخل.

أما بالنسبة إلى مصر، فإن الدرس ربما يكون أبعد من انتخابات نوفمبر نفسها.
لقد أصبحت مصر تمتلك في الخارج أجيالًا كاملة من أبنائها الذين نشأوا في مجتمعات مختلفة، وتعلموا في جامعاتها، وعملوا داخل مؤسساتها، وأصبحوا جزءًا من نخبها. وإذا كانت الدولة تعرف كيف تتعامل مع هذه الطاقات باعتبارها امتدادًا لقوتها الناعمة، فإن نجاح المصريين في الخارج يمكن أن يتحول من قصص فردية إلى شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والثقافية والعلمية والسياسية.
عبدول السيد واحد من هذه القصص..
قد يصبح سيناتورًا أمريكيًا في نوفمبر، وقد لا يصبح، لكن رحلته حتى الآن تحمل رسالة تستحق أن تسمعها مصر جيدًا: ابن المهاجر المصري لم يعد يقف على هامش المجتمع الذي هاجر إليه والده، وإنما أصبح يقف في قلب معركة سياسية قد تؤثر في مستقبل الولايات المتحدة نفسها.

وهنا لا يصبح السؤال المصري: هل فاز عبدول أم خسر؟
بل يصبح السؤال الأهم: هل تستطيع مصر أن ترى في نجاح أبنائها في الخارج جزءًا من قوتها الناعمة، وأن تبني معهم جسورًا تجعل من انتشار المصريين في العالم مصدرًا جديدًا للتأثير، لا مجرد اغتراب بعيد عن الوطن؟
فمن أسرة مصرية مهاجرة بدأت رحلتها بحثًا عن فرصة، وصل الابن إلى أبواب مجلس الشيوخ الأمريكي.

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *