القائمة

لاهاي | عند قبر سبينوزا يتحدث الصمت بلُغة العقل

غرفة الأخبار يوم واحد مضت 1 3.4 ألف

هناك أماكن لا تُقاس بمساحتها، بل بما تختزنه من ذاكرة الإنسانية. في وسط مدينة لاهاي، وعلى بعد خطوات من صخب الشوارع والمقاهي ومقار العدالة الدولية، تقودك الممرات الهادئة إلى حديقة الكنيسة الجديدة.

وما إن تقع عيناك على العبارة المنقوشة فوق المدخل الرئيسي حتى تشعر أنك تعبر إلى عالم آخر: «كلمة الله أبدية».

خلف هذا الباب لا تستقبلك الفخامة، ولا الأضرحة الضخمة، بل مساحة من السكون يلفها احترام الزمن. وهناك، وسط الأشجار والبساط الأخضر، يرقد باروخ سبينوزا (1632-1677)، الرجل الذي غيّر مسار الفلسفة الأوروبية، وما زالت أفكاره بعد أكثر من ثلاثة قرون تثير الحوار بين المؤمنين والفلاسفة والعلماء.

وأمام قبره لا يبدو ” سبينوزا ” مجرد اسم في كتاب فلسفة، بل إنسان عاش حياة مُتقشفة، وعمل في صقل عدسات النظارات ليكسب قوت يومه، بينما كان عقله مُنشغلاً بصقل أفكار ستصبح لاحقًا من أعظم ما أنتجه الفكر الإنساني.

وُلد ” باروخ سبينوزا ” في العاصم الهولندية أمستردام لأسرة يهودية من أصول برتغالية، لكن جرأته الفكرية قادته إلى الطرد من الطائفة اليهودية. لم يتراجع، ولم يسع إلى مجد أو منصب، بل اختار العُزلة الهادئة، مؤمنًا بأن الحقيقة لا تُقاس بعدد أتباعها، وإنما بقوة البرهان.

ومن بين أفكاره التي صنعت مكانته في تاريخ الفلسفة، قوله إن الله والطبيعة ليسا حقيقتين مُنفصلتين، وإنما هما تعبير عن وجود واحد يتجلى في نظام الكون وقوانينه. لذلك رفض تفسير الظواهر على أنها خوارق للطبيعة، ورأى أن ما نسميه معجزة ليس إلا ظاهرة لم نصل بعد إلى فهم أسبابها.

كان يؤمن بأن الحُرية لا تُمنح للإنسان، بل يكتسبها عندما يفهم نفسه ويسيطر على انفعالاته بعقله. فالإنسان، في نظره، لا يصبح حُرًا إلا عندما يتحرر من الجهل والخوف، ويستبدلهما بالمعرفة. ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في فلسفة ” سبينوزا ” أنه سبق عصره في الدفاع عن حُرية الفكر والتعبير، مُعتبرًا أن :

وهي فكرة أصبحت اليوم من ركائز المُجتمعات الديمقراطية الحديثة. ومن هنا لم يكن غريبًا أن يمتد تأثيره إلى أجيال مُتعاقبة من المفكرين والعلماء، حتى إن ” ألبرت أينشتاين ” أعلن أنه يؤمن بـ«إله سبينوزا»، ذلك الإله الذي يتجلى في دقة النظام الكوني، لا في خرق قوانين الطبيعة.

وأنا أغادر المكان، ظل بصري يتنقل بين العبارة المنقوشة على مدخل الكنيسة: «كلمة الله أبدية»، وبين قبر فيلسوف كرّس حياته للبحث عن الحقيقة بالعقل.

لم أشعر بوجود تناقض بينهما، بل بدا المشهد وكأنه دعوة مفتوحة للتأمل؛ فالإيمان الصادق لا يخشى السؤال، والعقل الحقيقي لا يعادي الروح. لهذا لا يُعد قبر سبينوزا مُجرد مزار لفيلسوف، بل محطة ثقافية وإنسانية تستحق أن يزورها كل من يؤمن بأن الحضارة لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما بالأفكار التي تبقى حية حتى بعد أن يرحل أصحابها.

وفي مدينة لاهاي عاصمة هولندا السياسية تحتضن اليوم محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية ومؤسسات السلام العالمي، يبدو من الطبيعي أن يجد سبينوزا مكانه الأبدي فيها؛ فهو أحد الذين آمنوا بأن العقل والحرية والعدل هي الطريق الأقصر إلى إنسانية أكثر نضجًا.

وربما كان أفضل ما يلخص رسالته قوله:

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

تعليق واحد

تعليق واحد

  1. يقول بلقيس حميد حسن:

    لقد مات هذا المفكر العظيم فقيرا يصقل عدسات النظارات مما سبب له مسحوقها مرضا عضالا بالرئتين .. سبينوزا رجل عظيم زاوج بين فلسفة ابن رشد والفلاسفة الاوروبيين وخرج بفكر انساني وروحاني نبيل معنرفا بوحدة الكون بالخالق. ولكن اليهود حاربوه ووضعوا قيودا على عدم الاقتراب منه لمسافة اكثر من اربعة امتار وجعلوه وحيدا فقيرا معذبا في سبيل افكارة العظيمة . وهكذا يموت العظماء .. بين فترة واخرى اذهب لقبره مع باقة ورد وفاء لروحه العظيمة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *