د.عبدالله الكعيد *
على مر حُقب التاريخ لم يخلُ زمان أو مكان من قصص خيانة أفراد لأوطانهم، أحزابهم، جماعاتهم، شركاتهم، عائلاتهم، أسرهم الصغيرة بالذات الزوجات/ الأزواج وغيرها من تلك الخيانات. في مقالي هذا لن أسأل عن دوافع الخائن ولماذا يخون فهذا موضوع متشعب كتشعب وادٍ تكاثف سيله فتفرّع. إنما سأُركّز عن شعور الخائن وصراعه الداخلي رغم ما يُظهِره من قوةٍ ورضا.
أكاد أجزم بأن شعلة من نار تشتعل في وجدانه حتى وإن كان بلا ضمير كما يُقال أو لو كان (بايعها) ببلاش حسب تعبير البعض.
تلك الجذوة من النار تأتي على هيئةِ سؤالٍ كاوٍ: هل كان الثمن المُكتسب يستحق الفعل الشائن؟ وهذا السؤال يدعو الى جرد حساب يوضح بجلاء ماذا تم كسبه مقابل ما تم فقده. ثم يفترض ألاّ يغيب عن الأذهان بعبع عدة مخاوف تلازم الخائن دوماً. الخوف من الانكشاف، الخوف من العقاب. الخوف من الفضيحة. الخوف من سؤال رب العباد الذي لا يحب من يتصف بالخيانة ” إن الله لا يحب من كان خواناً اثيماً ” فالخائن بغيض عند الله عز وجلّ فمن باب أولى مقته ونبذه عند كافة الناس.
ذلك الشعور يجعل الخائن في قلقٍ مستدام فهو يُدرك بأنه ارتكب فعل شنيع في حق وطنه، وحق نفسه ،وأهله، وبالتالي يصعب عليه تجاهل ذلك الشعور بالذنب كلما تذكر خيانته. ثم هنالك ما هو أشدّ وأنكى. شعوره بعدم ضمانة الركون الى من خان وطنه، جماعته، شركته، حزبه، لأجله/ لأجلهم فقد يتخلون عنه في أي لحظة حينما يعتصرون الغرض الذي تم تجنيده من أجلها ثم يُرمى في اقرب حاوية نفايات كجثّة نافقة لم يعد لها أي نفع أو قيمة.
نعم ليس كل خائن يشعر بالذنب فالانتهازي الخبيث تغلب عليه المصلحة الشخصية البحتة (أناني للنخاع) لدرجة قيامه باغتيال ضميره إذ أن هاجسه الأوحد الركض وراء المكاسب ونسيان الخسائر، بل محوها من الذهن. الأمر الشائع لدى معظم الخونة عدم سؤال النفس “هل أنا خائن” بل يخترعون في الغالب قصص تبرر لهم الخيانة كي يُقنعوا النفس لتهدأ وترتاح ولو مؤقتاً.
خلاصة القول: الخائن مهما فعل لا يستطيع بأي حال التخلّص من شعوره بالعار.
- كاتب سعودي
لندن
