القائمة

في حب فيروز… حين كانت الأغنية وطنًا

Linda Seleem يوم واحد مضت 0 2.4 ألف

د.اسامة احمد زارع يكتب|

“ليس لكل زمنٍ صوتٌ يعبّر عنه… لكن بعض الأصوات تصبح زمنًا كاملًا.”

هناك أشياء لا تحتاج إلى تفسير.
لا أحد يسأل لماذا نحب رائحة المطر، أو لماذا يهدأ القلب أمام البحر، أو لماذا يبدو الصباح أكثر لطفًا حين نتأمل شروق الشمس في صمت.
وكذلك فيروز…
لا تُفسَّر، بل تُعاش.
وأظن أن القهوة لم تُخلق لتُشرب وحدها، بل خُلقت لتستمع إلى فيروز. فالعلاقة بينهما لم تصنعها الإذاعات، ولم تفرضها العادة، وإنما صنعها الوجدان العربي. فالقهوة ليست مشروبًا، بل حالة من التأمل، وهدنة قصيرة مع الحياة، وكذلك كانت فيروز؛ ليست مجرد صوت، بل مساحة من السلام، كلما ضاقت الدنيا اتسعت بكلماتها، وكلما ارتفع ضجيج العالم، همست هي، فكان همسها أعلى من كل الضجيج.
أعترف أنني لا أثق كثيرًا في الأشياء التي يلتف الناس حولها بسرعة.
فكل ما يولد على عجل… يموت على عجل.
وكل ما يصنعه الضجيج… يبتلعه الصمت بعد حين.
إلا الجمال…
فهو لا يقتحم القلب، بل يستأذن، فإذا دخل… أقام.
ولهذا بقيت فيروز.
لم تكن يومًا أعلى الأصوات، لكنها كانت أصدقها.
ولم تكن الأكثر صخبًا، لكنها كانت الأكثر أثرًا.
خرج صوتها من بين جبال لبنان، نقيًا كنبع ماء، يحمل رائحة الأرز، وهدوء القرى، وصفاء الصباحات الأولى. كان اسمها نهاد وديع حداد، ثم عرفها العالم باسم فيروز، وعرفها الشاعر الكبير سعيد عقل باسمٍ آخر أصبح جزءًا من تاريخها: “جارة القمر”. ولم يكن اللقب مجرد إعجاب بصوتها، بل اعترافًا بأن هذه المرأة تجاوزت حدود الفن، حتى أصبحت رمزًا للجمال العربي.
لكنني أظن أن فيروز كانت جارةً لشيء أكبر من القمر…
كانت جارةً للقلوب.
يقولون إن لكل إنسان مكانًا يهرب إليه حين يتعب.
بعضهم يهرب إلى البحر…
وبعضهم إلى السفر…
وبعضهم إلى الصمت…
أما أنا، فأهرب إلى فيروز.
ليس لأنها تحل مشكلاتي، بل لأنها تعيد ترتيب الفوضى داخلي، وتذكرني أن الحياة ليست سباقًا، وأن الجمال لا يزال ممكنًا، وأن القلب الذي يعرف كيف يصغي إلى أغنية جميلة، لا يمكن أن يصبح قاسيًا.
قالوا إن فيروز مطربة…
وأظن أنهم ظلموها.
فهي لم تكن تغني فقط، بل كانت تبني عالمًا كاملًا داخل كل أغنية.
لم تغنِّ للحب كما غنّى الآخرون، بل أعادت للحب هيبته. نزعت عنه الضجيج، وألبسته الحياء، وجعلت من الانتظار قصيدة، ومن النظرة وعدًا، ومن الصمت اعترافًا. كانت تقول في “نسم علينا الهوى” ما يعجز عنه كثير من الشعر، وتجعل من الحنين وطنًا صغيرًا يسكن القلب.
ولم تغنِّ للوطن بالخطب والشعارات.
كانت تعرف أن الأوطان لا تُحب بالصوت العالي، وإنما تُحب بالتفاصيل الصغيرة؛ بشجرة، ونافذة، وأم، وطفل، ورائحة خبز، وشارع قديم. لذلك حين غنت “بحبك يا لبنان” لم تكن تغني للبنان وحده، بل لكل إنسان أحب أرضه. وحين أنشدت “زهرة المدائن” لم تكن تؤدي أغنية، بل كانت تصلي للقدس، فتحولت الكلمات إلى وجدان عربي لا يزال حيًا رغم تبدل الأزمنة.
أما مصر…
فكانت قصة حب متبادلة.
لم يشعر المصريون يومًا أن فيروز مطربة جاءت من لبنان، بل صوتًا عربيًا يعرفونه منذ زمن. احتضنتها القاهرة كما تحتضن أبناءها، وغنت للإسكندرية، فبدا البحر أكثر زرقة، والنسيم أكثر شاعرية، وكأن “شط إسكندرية” لم تكن أغنية، بل بطاقة حب كتبتها فيروز إلى مدينة تعشق الفن كما تعشق البحر.
ولعل سر فيروز الحقيقي، أنها لم تكن مشروعًا فرديًا، بل كانت ثمرة لقاء نادر بين شعراء كبار، وعلى رأسهم سعيد عقل، وعبقرية الأخوين رحباني، وصوت يعرف أن البطولة ليست في استعراض قدراته، وإنما في احترام الكلمة. لذلك خرجت الأغنية عندها قطعةً من الأدب، لا مجرد لحن جميل.
وحين تسمع “كان عنا طاحون”، لا تبحث عن الطاحونة، بل عن طفولتك.
وحين تسمع “سألوني الناس”، لا تتذكر الغياب، بل تتذكر كل من مروا في حياتك وتركوا أثرًا لا يمحوه الزمن.
هذه ليست أغنيات…
هذه صفحات من ذاكرتنا.
وربما لهذا السبب لا تشيخ فيروز.
لأنها لم تغنِّ لزمنها…
بل غنت للإنسان.
والإنسان، مهما تغيرت الأزمنة، سيظل يبحث عن الحب، وعن الطمأنينة، وعن نافذة يدخل منها الضوء.
في زمن أصبحت فيه الأغنية تُقاس بعدد المشاهدات، أعادت فيروز تعريف النجاح.
لم تكن تركض خلف الجمهور…
فركض الجمهور خلفها.
ولم تلهث خلف الشهرة…
فأصبحت أسطورة.
لم تكن تبحث عن “الترند”، لأنها كانت تصنع ما هو أبقى من الترند…
كانت تصنع الذاكرة.
ولذلك لا أريد من شباب اليوم أن يحبوا فيروز لأنها تنتمي إلى جيل مضى، بل لأن الجمال لا عمر له، ولأن الأغنية الحقيقية لا يحددها تاريخ إنتاجها، وإنما مقدار ما تتركه في القلب.
إذا سألتني يومًا: من هي فيروز؟
لن أحدثك عن الجوائز التي حصلت عليها، ولا عن المسارح التي غنت عليها، ولا عن تاريخها الطويل.
سأضع أمامك فنجان قهوة…
وأفتح النافذة…
وأترك صوتها يملأ المكان.
فبعض الأشياء لا تُشرح…
بل تُعاش.
وسيأتي يوم لن يعرف فيه كثيرون أسماء مطربين تملأ صورهم الشاشات اليوم، لكنني على يقين أن أمًا عربية ستوقظ أبناءها على صوت فيروز، وأن عاشقًا سيجلس أمام نافذته يحتسي قهوته ويبحث عنها، وأن مسافرًا سيضع أغانيها في حقيبته قبل أن يضع ملابسه.
لذلك…
لا أخاف على فيروز من النسيان…
بل أخاف علينا نحن إذا نسينا فيروز.
لأن الأمم التي تنسى أصواتها الجميلة، لا تفقد أغنيةً فقط…
بل تفقد جزءًا من روحها.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *