بقلم | سعيد السبكي
لم يعُد الأمر مُجرد سباق على المُشاهدات أو مُنافسة بين صُناع المحتوى، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة تستحق وقفة حاسمة.
فكل يوم تستيقظ مواقع التواصل الاجتماعي على فيديو جديد يكشف مُشاجرة، أو يفضح أسرة، أو ينقل جريمة، أو يستعرض ألفاظًا سوقية وسلوكيات مُنحرفة، حتى أصبحت عورات المجتمع هي المادة الأكثر رواجًا، وكأن مصر لم يعد فيها ما يستحق أن يُروى سوى القبح.
المشكلة ليست في توثيق حدث استثنائي، فهذا قد يدخل في إطار العمل الصحفي أو التوثيق المُجتمعي، وإنما في تحويل الانحراف والعُنف والابتذال إلى محتوى يومي يدر الأرباح ويصنع الشهرة. وهنا يصبح المجتمع هو الضحية الأولى.
الأخطر من ذلك أن هذه الفيديوهات لا تكتفي بنقل السلوك المنحرف، بل تساهم في إعادة إنتاجه. فالدراسات النفسية تؤكد أن المشاهدة المُتكررة للعُنف والبلطجة تؤدي إلى تطبيعها داخل الوعي الجمعي، خاصة لدى الأطفال والمراهقين، حيث تتحول إلى نموذج قابل للتقليد.

فكلما انتشر فيديو لمشاجرة أو اعتداء وحقق ملايين المشاهدات، ظهر من يسعى لتكرار المشهد طمعًا في الشهرة أو الربح.
إننا أمام اقتصاد جديد يقوم على الاستثمار في الفضائح، حيث أصبحت الكاميرا أحيانًا لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن الإثارة، ولا تهتم بكرامة الإنسان بقدر اهتمامها بعدد المشاهدات والإعلانات.
ولذلك فإن الوقت قد حان لتدخل تشريعي واضح يجرّم نشر المحتوى الذي ينتهك خصوصية الأفراد أو يروج للعنف أو يسيء إلى صورة المجتمع، مع التفرقة بين العمل الصحفي المهني الذي يخدم المصلحة العامة، وبين المحتوى الهادف إلى الإثارة والربح على حساب القيم والأخلاق.
حرية التعبير لا تعني حرية هدم المجتمع، والحق في النشر لا يمنح أحدًا حق تحويل الانحراف إلى بطولة، أو الجريمة إلى وسيلة للشهرة، أو المأساة الإنسانية إلى سلعة رقمية.
إن حماية المجتمع لم تعد مسؤولية الأسرة أو المدرسة وحدهما، بل أصبحت مسؤولية المشرّع أيضًا. فكما تضع الدول قوانين لحماية الأمن القومي، فإن الأمن الأخلاقي والثقافي لا يقل أهمية، لأنه يمثل خط الدفاع الأول عن هوية المجتمع ومستقبل أجياله.
إن مصر لا تحتاج إلى تريندات تكشف عوراتها، بل إلى منصات تُبرز نجاحاتها، وعقولها، ومبدعيها، وقيمها. فالأمم لا تُقاس بما يُنشر عن فضائحها، وإنما بما تحرص على غرسه في وجدان أبنائها.
