القائمة

تحارب الجيوش في الميدان والاستخبارات في الظل

غرفة الأخبار 4 ساعات مضت 0 4.7 ألف

من اليمن إلى حرب أكتوبر: كيف غيّرت العمليات السرية مسار الصراع العربي الإسرائيلي؟

ليست كل الحروب تُحسم في ساحات القتال، فالتاريخ العسكري يثبت أن كثيرًا من نتائج الصراعات الكبرى صُنعت بعيدًا عن خطوط المواجهة، داخل غرف الاستخبارات، وعلى موائد التحالفات الدولية، ومن خلال الجسور الجوية والحروب الاقتصادية والعمليات السرية التي غالبًا ما تبقى طي الكتمان لعقود.

ومع رفع السرية عن آلاف الوثائق في إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، بات بالإمكان إعادة قراءة عدد من المحطات المفصلية في الصراع العربي الإسرائيلي من زاوية مختلفة؛ زاوية تكشف أن ما كان يجري خلف الكواليس لم يكن أقل تأثيرًا مما كان يحدث في ميادين القتال.

ويُعد نموذجا الحرب الأهلية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وحرب أكتوبر عام 1973، من أبرز الأمثلة على الكيفية التي يمكن أن تغيّر بها العمليات السرية والدعم الخارجي مسار الأحداث، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما أيضًا في الحسابات السياسية والاستراتيجية للمنطقة بأسرها.

عندما اندلعت الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962، منهيةً حكم الإمامة الزيدية، بدا المشهد في ظاهره صراعًا داخليًا بين الجمهوريين والملكيين. غير أن الحرب سرعان ما تحولت إلى إحدى ساحات الحرب الباردة في الشرق الأوسط، حيث تشابكت المصالح الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.

أرسلت مصر عشرات الآلاف من الجنود لدعم النظام الجمهوري الوليد، انطلاقًا من رؤية سياسية هدفت إلى ترسيخ المشروع القومي العربي، بينما رأت قوى إقليمية ودولية في هذا التمدد تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، بدأت حرب خفية لا تقل أهمية عن الحرب الدائرة على الأرض.

تكشف الوثائق الإسرائيلية التي رُفعت عنها السرية، إلى جانب شهادات عدد من الضباط والطيارين الذين شاركوا في العمليات، أن إسرائيل نظرت إلى الحرب اليمنية باعتبارها فرصة استراتيجية لإبعاد الجيش المصري عن جبهتها الجنوبية واستنزاف قدراته البشرية والعسكرية.

وتشير هذه الوثائق إلى تنفيذ عملية سرية عُرفت باسم Operation Dorban، تضمنت تقديم مساعدات لوجستية وعسكرية للقوات الملكية عبر عمليات إسقاط جوي ليلية، بالتنسيق مع شخصيات بريطانية كانت تنشط في الملف اليمني.

وتوضح المصادر أن الهدف لم يكن تحقيق انتصار عسكري مباشر بقدر ما كان إطالة أمد الصراع واستنزاف القوات المصرية، بحيث تُستنزف الموارد والقدرات بعيدًا عن المواجهة المباشرة مع إسرائيل.

ورغم أن تفاصيل هذه العمليات ظلت سرية لسنوات طويلة، فإن ما كُشف عنها لاحقًا يعكس جانبًا من طبيعة الصراعات غير التقليدية التي كانت تُدار في المنطقة خلال تلك المرحلة.

لم تكن العمليات العسكرية وحدها هي ساحة المواجهة.

فقد رافقتها حرب إعلامية ونفسية هدفت إلى التأثير في الرأي العام العربي والدولي، حيث تداولت الصحف آنذاك تصريحات منسوبة إلى الإمام محمد البدر تحدث فيها عن تلقي دعم إسرائيلي، وهو ما استُخدم سياسيًا وإعلاميًا لإبراز البعد الإقليمي للحرب.

غير أن القراءة الأكاديمية لهذه المرحلة تقتضي التعامل مع مثل هذه التصريحات بحذر، ومقارنتها بالوثائق الرسمية والشهادات المتعددة، إدراكًا لأن الحروب عادة ما تكون مصحوبة بحملات دعائية متبادلة تسعى كل أطرافها إلى توظيف المعلومات لخدمة أهدافها السياسية.

هل أثرت اليمن في هزيمة يونيو؟

يُجمع معظم المؤرخين العسكريين على أن الحرب اليمنية استنزفت جانبًا مهمًا من القدرات العسكرية المصرية، سواء على المستوى البشري أو الاقتصادي أو اللوجستي.

لكنهم يختلفون حول حجم تأثير هذا الاستنزاف في جاهزية القوات المسلحة المصرية قبيل حرب يونيو 1967.

فبينما يرى فريق من الباحثين أن اليمن كانت أحد الأسباب الرئيسية لإضعاف القدرات العسكرية المصرية، يذهب آخرون إلى أن الهزيمة نتجت عن مجموعة أكثر تعقيدًا من العوامل، شملت طبيعة القيادة العسكرية، وأسلوب إدارة المعركة، والتقديرات الاستخباراتية، والقرار السياسي.

ومع ذلك، يبقى شبه إجماع على أن الحرب اليمنية شكلت عاملًا مؤثرًا ضمن منظومة الأسباب التي سبقت حرب يونيو.

بعد ست سنوات فقط، وجدت إسرائيل نفسها أمام وضع عسكري مختلف تمامًا.

ففي السادس من أكتوبر 1973 نجحت القوات المصرية والسورية في تحقيق مفاجأة استراتيجية كبيرة، وألحقت خسائر مؤثرة بالقوات الإسرائيلية خلال الأيام الأولى للحرب.

ومع تصاعد الموقف، اتخذت الإدارة الأمريكية قرارًا استراتيجيًا بإطلاق واحدة من أكبر عمليات الإمداد العسكري في التاريخ الحديث، عُرفت باسم عملية Nickel Grass.

بدأت العملية في 14 أكتوبر 1973، وشاركت فيها طائرات النقل الأمريكية العملاقة التي نقلت عشرات الآلاف من الأطنان من الذخائر والأسلحة والمعدات وقطع الغيار، كما أسهمت في تعويض خسائر إسرائيل في الطائرات والدبابات خلال فترة زمنية قصيرة.

ويعتبر كثير من المؤرخين العسكريين أن هذا الجسر الجوي كان أحد العوامل الأساسية التي مكّنت إسرائيل من استعادة قدرتها القتالية، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة الهجوم المضاد في النصف الثاني من الحرب.

تكشف الوثائق أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، بل كانت أيضًا إحدى ساحات التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

فبينما كانت واشنطن تمد إسرائيل بالسلاح والذخائر عبر الجسر الجوي، واصل الاتحاد السوفيتي تزويد مصر وسوريا بالمعدات العسكرية، في مشهد عكس حجم التداخل بين الصراع الإقليمي والتوازنات الدولية خلال الحرب الباردة.

وقد بلغ التوتر بين القوتين العظميين مستوى جعل العالم يقترب من مواجهة دولية أوسع، قبل أن تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد.

لم يقتصر الرد العربي على العمليات العسكرية.

ففي 17 أكتوبر 1973 استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط سلاح الطاقة، عبر خفض الإنتاج وفرض حظر على صادرات النفط إلى عدد من الدول الداعمة لإسرائيل.

وأحدث القرار صدمة في الاقتصاد العالمي، وأثبت للمرة الأولى أن أدوات القوة في العلاقات الدولية لا تقتصر على الجيوش، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية، وهو ما جعل أزمة النفط واحدة من أهم النتائج الاستراتيجية للحرب.

تكشف المقارنة بين الحرب اليمنية وحرب أكتوبر حقيقة جوهرية، وهي أن الصراعات الحديثة لا تُدار في ميدان واحد.

ففي اليمن كان الهدف استنزاف الخصم عبر حرب طويلة وغير مباشرة، بينما مثّل الجسر الجوي الأمريكي في أكتوبر نموذجًا لقدرة التحالفات الدولية على تغيير ميزان القوى خلال أيام.

كما تؤكد التجربتان أن الاستخبارات لم تعد مجرد جهاز لجمع المعلومات، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في صناعة القرار العسكري والسياسي، وأن الإعلام والحرب النفسية والدعم اللوجستي والاقتصادي باتت جميعها أدوات لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات.

وتبرز التجربتان أيضًا أن امتلاك جيش قوي، مهما بلغت كفاءته، لا يكفي وحده لتحقيق النصر إذا لم يكن مدعومًا بقاعدة اقتصادية وصناعية، وشبكة تحالفات فعالة، ومنظومة استخباراتية قادرة على استشراف التهديدات وإدارة الأزمات.

بعد أكثر من نصف قرن، لا تبدو تلك الأحداث مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل دروسًا لا تزال حاضرة في عالم يشهد اليوم حروبًا هجينة تستخدم الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والعقوبات الاقتصادية، والتضليل الإعلامي، إلى جانب القوة العسكرية التقليدية.

لقد تغيّرت أدوات الصراع، لكن جوهره بقي ثابتًا: فالدول التي تنجح في توظيف المعلومات، وبناء التحالفات، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعلمية والاستخباراتية، تمتلك فرصًا أكبر في فرض معادلات القوة وحماية أمنها القومي.

وفي النهاية، يبقى التاريخ أكثر من مجرد سجل للأحداث؛ إنه مختبر للتجارب الإنسانية، ومن يحسن قراءته يمتلك قدرة أكبر على فهم الحاضر واستشراف المستقبل، بينما يظل تجاهل دروسه أحد أكثر الأخطاء كلفة في عالم لا يتوقف عن إنتاج الصراعات.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *