د. ماجدة محمود… تكتب
ربما يمر هذا المقال مرور الكرام..ربما لا يلتفت إليه أحد، وربما يقرأه شخص واحد فقط ثم يمضي إلى شأن آخر، وقد يراه البعض مجرد كلمات تُضاف إلى آلاف الكلمات التي تُكتب كل يوم، ثم تبتلعها زحمة الأحداث.
لا يهم.
فبعض الكلمات لا تُكتب بحثًا عن التصفيق، ولا انتظارا للشهرة، ولا رغبة في أن تصبح حديث الناس. بعض الكلمات نكتبها فقط لأن الصمت أمام ما نراه خطأ يصبح، في لحظة ما، أثقل من الكلام.
ولهذا أكتب.
أكتب لأن كلمة الحق لا تفقد قيمتها إذا لم يسمعها إلا شخص واحد، ولأن الحقيقة لا تحتاج إلى جمهور كبير لكي تكون حقيقة.
ولم أكن أتصور أن مباراة في كرة القدم يمكن أن تعيدني عشر سنوات كاملة إلى الوراء.. عشر سنوات مضت، تغير فيها الكثير، تبدلت الوجوه والمواقع والمناصب، وخضت معارك أخرى، وحملت مسؤوليات أكبر، ومضيت في طريقي دون أن أقف طويلًا أمام باب أُغلق، أو مقعد ضاع، أو منصب لم أحصل عليه… لكن شيئًا واحدًا لم يمضِ..مرارة الظلم.
فالإنسان قد يتجاوز الخسارة، وقد ينسى معركة، وقد يبتعد عن المكان كله، لكنه لا ينسى بسهولة ذلك الشعور القاسي عندما يكون الحق واضحًا أمام عينيه، والقانون في يده، ثم يكتشف أن القوة والمصالح تستطيعان أن تقفا بينه وبين حقه.
وهذا تحديدًا ما شعرت به وأنا أشاهد ما حدث لمنتخب مصر أمام الأرجنتين.
لم تكن بالنسبة لي مجرد مباراة خسرناها، ولا مجرد قرارات تحكيمية أثارت غضب الملايين. كان هناك شيء أعمق أعاد إليَّ إحساسًا قديمًا أعرفه جيدًا؛ إحساس الإنسان الذي يرى الظلم أمامه، يصرخ، يقدم الدليل، يتمسك بحقه، ثم يجد نفسه واقفًا وحده في مواجهة منظومة أكبر منه.
وبعد ما حدث لمنتخب مصر أمام الأرجنتين، وما شاهدناه من قرارات تحكيمية أثارت غضب المصريين وشعورهم بأن منتخب بلادهم خرج من بطولة عالمية في مباراة لم يحصل فيها على كل ما يستحقه من عدالة، عاد اسم هاني أبو ريدة إلى واجهة المشهد.
رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم… عضو مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم.
رجل أمضى سنوات طويلة داخل دوائر النفوذ الكروي، محليًا ودوليًا، حتى أصبح اسمه حاضرًا في الاتحاد المصري لكرة القدم بصورة تكاد تجعلنا نتساءل: هل أصبح اتحاد الكرة مؤسسة مصرية تتغير قياداتها، أم جمهورية خاصة لها رئيس دائم لا يغادرها إلا ليعود إليها من جديد؟
لا أقلل من قيمة أن يكون لمصر مسؤول في موقع دولي رفيع. بل أتمنى أن يكون لدينا عشرات المصريين في أعلى المؤسسات الدولية. لكن السؤال الذي يجب ألا نخاف منه هو: ماذا استفادت مصر؟ ماذا قدم كل هذا النفوذ للكرة المصرية؟ ومتى يظهر ثقل السنوات الطويلة والعلاقات الدولية والمناصب الرفيعة، إن لم يظهر في لحظة يشعر فيها وطن كامل بأن منتخبه تعرض للظلم في أكبر بطولة كروية في العالم؟
لقد تقدم الاتحاد المصري بشكوى ضد حكم مباراة مصر والأرجنتين وطاقم تقنية الفيديو.
حسنًا.
لكن هل هذا هو أقصى ما يستطيع فعله رجل أمضى كل هذه السنوات في أعلى دوائر كرة القدم العالمية؟
شكوى؟
مجرد شكوى بعد أن انتهت المباراة، وخرجت مصر، وتأهلت الأرجنتين، واستمرت البطولة؟
أنا أعلم أن هاني أبو ريدة لا يستطيع بمفرده أن يصدر قرارًا بإعادة المباراة، ولا أريد أن أكتب ما يخالف الحقيقة. لكنني أعلم أيضًا أن هناك فرقًا هائلًا بين مسؤول عادي يتقدم باحتجاج، ورجل قضى سنوات طويلة في قلب المؤسسة الدولية، يعرف أبوابها ورجالها وآلياتها، ويجلس في مجلسها الأعلى.
ألم يكن من الممكن المطالبة فورًا باجتماع عاجل؟
ألم يكن من الممكن الدفع نحو مراجعة استثنائية قبل استمرار الأرجنتين في البطولة؟
ألم يكن من الممكن المطالبة بتجميد اعتماد النتيجة مؤقتًا حتى يتم التحقيق في الوقائع المثيرة للجدل؟
ألم يكن من الممكن طلب التسجيلات الكاملة للاتصالات بين حكم الساحة وغرفة تقنية الفيديو، والضغط من أجل تحقيق عاجل وشفاف؟
بل ألم يكن من حق مصر، على الأقل، أن تطلب إعادة المباراة إذا رأت أن لديها من الأسباب القانونية والفنية ما يسمح لها بذلك، حتى لو كان قبول هذا الطلب صعبًا؟
قد تكون الإجابة أن اللوائح لا تسمح.
وقد تكون الإجابة أن القرارات التحكيمية لا تؤدي عادة إلى إعادة المباريات.
لكنني أتحدث عن شيء آخر… أتحدث عن الإرادة… عن القوة… عن استخدام النفوذ.
عن رجل حصل على الكثير من كرة القدم المصرية، وتولى من المواقع ما لم يتح لكثيرين، وبقي حاضرًا في المشهد عامًا بعد عام، ودورة بعد دورة، ومجلسًا بعد مجلس، حتى أصبح وجوده في اتحاد الكرة وكأنه حقيقة أبدية لا تتغير.
فهل استفادت مصر من هذا النفوذ بقدر ما استفاد صاحبه منه؟ هذا هو السؤال.
وقد يسألني أحدهم: لماذا تكتبين أنتِ تحديدًا عن هاني أبو ريدة؟
والإجابة أن لي معه ومع المنظومة التي قادها قصة لم أنسها… قصة عمرها عشر سنوات.
ففي عام 2016، ترشحت مستقلة على مقعد المرأة الوحيد في انتخابات مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم. كنت أنا وسحر الهواري المرشحتين على المقعد، وكانت هي ضمن قائمة هاني أبو ريدة المرشح لرئاسة الاتحاد، بينما كنت أنا مستقلة، لا أنتمي إلى قائمة، ولا يقف خلفي أحد.
وقبل الانتخابات، صدر حكم قضائي صريح باستبعاد سحر الهواري من كشوف المرشحين لفقدها شرطًا من شروط الترشح.. كان الحكم موجودًا.. وكان واضحًا.. وكان مقعد المرأة واحدًا.. وكانت المرشحتان اثنتين.. فإذا استُبعدت إحداهما بحكم القضاء، تبقى الأخرى وحدها.. وكنت أنا تلك الأخرى.. وفقًا للائحة، كان من الطبيعي أن أفوز بالتزكية. لكن الطبيعي لم يحدث.. استمرت سحر الهواري في الانتخابات رغم الحك القضائي، وأُجريت الانتخابات، وفازت بالمقعد ضمن قائمة هاني أبو ريدة.
أما أنا، فوقفت وحدي.. امرأة مستقلة أمام قائمة قوية.. فرد أمام منظومة.. وحكم قضائي في مواجهة مصالح أكبر مني.. لم أكن أملك قائمة تحميني، ولا أصحاب مصالح يدافعون عني، ولا قوة سوى إيماني بحقي وبحكم القضاء… ومع ذلك لم أصمت… لم أتنازل… لم أقبل أن أقنع نفسي بأن ما حدث أصبح أمرًا واقعًا يجب الاستسلام له… قاومت وحدي… طرقت أبواب القضاء، وقدمت الاستشكالات، وطالبت بتنفيذ الأحكام، وتمسكت بحقي، لا لأن مقعدًا في اتحاد الكرة كان نهاية أحلامي، ولكن لأن المسألة أصبحت بالنسبة لي أكبر من مقعد وأكبر من انتخابات… كانت المسألة تتعلق بالعدل.
بمعنى أن تكون مواطنًا في دولة قانون، وأن تثق في أن الحكم القضائي، متى صدر، لا ينبغي أن يصبح مجرد ورقة يمكن للمصالح أن تتجاوزها.
مرت عشر سنوات.. وأقولها اليوم بكل وضوح: أنا لا أبكي على الأطلال.. ولا أريد اليوم مقعدًا في اتحاد الكرة.. لقد تغيرت حياتي، واتسعت اهتماماتي، وخضت معارك أخرى، وأصبحت أحلامي أكبر من كرسي مضى عليه عقد كامل.. لكن هناك فارقًا بين أن تتجاوز الحدث وأن تنسى الظلم.. أنا تجاوزت الحدث، لكنني لم أنسَ الظلم.. لم أنسَ شعور امرأة مستقلة وجدت نفسها تقف وحدها في مواجهة منظومة كاملة.. لم أنسَ مرارة أن تحمل حكمًا قضائيًا وتظل تطالب بتنفيذه.. لم أنسَ كيف يكون شعور الإنسان وهو يرى الحق أمام عينيه، والدليل في يده، ثم يكتشف أن المصالح أقوى من صوته.. ولم أنسَ السؤال الذي ظل بداخلي طوال هذه السنوات: كيف يمكن للمصالح أن تكون أقوى من الحق؟ ولم أستسلم.
واصلت المطالبة بحقي، وطرقت أبواب القضاء، وتمسكت بموقفي، رغم أنني كنت وحدي.. ومرت الأيام.. ثم جاءت التطورات اللاحقة، وغادرت سحر الهواري مجلس الاتحاد بعد صدور حكم قضائي ضدها في قضية إفلاس، ثم انتهى مجلس هاني أبو ريدة نفسه بالاستقالة الجماعية عقب خروج المنتخب المصري من بطولة كأس الأمم الأفريقية عام 2019.
لكن ما ضاع لا تعيده الأيام دائمًا.. وما يكسره الظلم داخل الإنسان قد يلتئم، لكنه يترك أثرًا.
ولهذا، عندما رأيت هاني أبو ريدة اليوم يتحدث عن الظلم الذي تعرضت له مصر أمام الأرجنتين، لم أستطع أن أفصل الحاضر عن الماضي. وسألت نفسي:
هل يعرف حقًا معنى الظلم؟ هل شعر يومًا بمرارة أن يكون الحق واضحًا أمام عينيه ثم تقف المصالح في طريقه؟ وهل يستطيع من لم ينصف فردًا عندما كان الحق يصطدم بمصالح قائمته أن يقنعنا اليوم بأنه سيخوض معركة شرسة من أجل إنصاف وطن؟
لا أكتب هذه الكلمات انتقامًا. فالانتقام لا يعيد عشر سنوات مضت، ولا أحتاج إليه. ولا أكتبها لأنني أريد العودة إلى اتحاد الكرة.
بل ربما كانت تجربتي معه واحدة من أكثر التجارب التي علمتني أن بعض المقاعد أصغر بكثير من أن نخسر أنفسنا من أجلها . لكنني أكتب لأن العدالة لا تتجزأ. من يؤمن بالحق، يؤمن به عندما يكون معه وعندما يكون ضده. ومن يحترم القانون، يحترمه عندما يخدم مصالحه وعندما يهدمها. ومن يرفض الظلم، لا ينتظر حتى يصبح هو أو فريقه أو وطنه ضحية له لكي يكتشف فجأة أن الظلم قبيح.
وهنا أعود إلى السؤال الأكبر:
ماذا قدم هاني أبو ريدة للكرة المصرية بما يتناسب مع كل هذه السنوات من النفوذ؟
نحن لا نتحدث عن رجل ظهر بالأمس.. نتحدث عن عقود من الوجود في المشهد الرياضي..سنوات في الاتحاد المصري.. وسنوات في الاتحاد الأفريقي.. وسنوات في دوائر الاتحاد الدولي.. شبكة واسعة من العلاقات والخبرة والنفوذ.
لكن أين انعكس كل ذلك على مصر؟
هل أصبحت منظومة الكرة المصرية أكثر عدالة وشفافية؟
هل أصبح اتحاد الكرة مؤسسة لا تتأثر بالمصالح؟
هل تطور التحكيم المصري بما يليق بدولة بحجم مصر؟هل أصبحت مسابقاتنا أكثر انتظامًا؟
هل أصبح منتخبنا أكثر حضورًا وتأثيرًا على الساحة العالمية؟
وهل وجدنا هذا النفوذ الدولي حاضرًا بقوة عندما احتاجت إليه مصر؟
هذه ليست أسئلة شخصية.. ولا يجب أن تتحول إلى معركة بيني وبين هاني أبو ريدة. أنا فرد، وهو شخص.
لكن مصر أكبر منا جميعًا.. والمناصب العامة ليست ملكية خاصة، ولا إرثًا أبديًا، ولا حصنًا يبقى فيه الشخص عامًا بعد عام حتى يبدو وكأنه رئيس جمهورية لا تنتهي ولايته.. اتحاد الكرة المصري ليس جمهورية هاني أبو ريدة.. إنه مؤسسة مصرية. ومن حق المصريين أن يسألوا كل من يتولى مسؤوليتها: ماذا قدمت؟ وما حصيلة السنوات؟ وأين الإنجازات التي تتناسب مع حجم النفوذ والسلطة والفرص التي حصلت عليها؟
قد يقرأ هذا المقال شخص واحد..لا بأس. وقد يمر مرور الكرام وسط ضجيج الأخبار ومباريات البطولة ومنشورات مواقع التواصل… لا بأس أيضًا.. فأنا لم أكتبه لأصنع ضجيجًا.. كتبته لأن هناك كلمات إذا لم نقلها في وقتها، تتحول داخلنا إلى نوع من الصمت الذي يشبه المشاركة في الخطأ. وعشر سنوات من الصمت عن تجربتي كانت كافية. اليوم أقولها بلا خوف ولا رغبة في الانتقام: لقد شعرت بالظلم في انتخابات الاتحاد المصري لكرة القدم عام 2016. وقفت مستقلة وحدي في مواجهة منظومة قوية. كان معي حكم قضائي باستبعاد منافستي، وكان المقعد واحدًا، وكنت بعد استبعادها المرشحة الوحيدة عليه، ومع ذلك لم أحصل على المقعد.مرت عشر سنوات، ولم أنسَ. لا لأنني أعيش في الماضي، بل لأن الظلم لا يصبح عدلًا لمجرد مرور الزمن. واليوم، عندما يطالب هاني أبو ريدة العالم بإنصاف مصر، فإن من حقي أن أسأل:
أين كان هذا الإيمان بالإنصاف عندما كنت أنا وحدي في مواجهة قائمته؟
وعندما يقول إن منتخب مصر تعرض للظلم، فإنني أعرف جيدًا معنى هذه الكلمة. لقد ذقتها من قبل. داخل الاتحاد نفسه. وفي زمن الرجل نفسه.
وربما تكون المفارقة الأقسى أن من شعروا يومًا بأنهم أقوى من فرد يقف وحده أمامهم، يكتشفون لاحقًا كم يكون الشعور بالظلم مؤلمًا عندما يصبحون هم الطرف الأضعف. . إنها ليست شماتة.
فأنا لا أشمت أبدًا عندما يتعلق الأمر بمصر، ولا أساوم على اسم وطني بسبب خصومة شخصية أو جرح قديم.. لكنها كلمة حق. والحق لا ينبغي أن يتغير بتغير الأشخاص. فإذا كنا نطالب العالم اليوم بأن يكون عادلًا مع مصر، فعلينا أولًا أن نسأل أنفسنا: هل كنا نحن دائمًا عادلين مع من وقفوا أمامنا وحدهم، لا يملكون إلا حقهم؟ هذا هو السؤال الذي أحمله منذ عشر سنوات..
وهذا هو السؤال الذي أضعه اليوم أمام هاني أبو ريدة.
قد يجيب.. وقد يصمت.. وقد لا يقرأ المقال أصلًا.. لكنني قلت كلمتي. ولو قرأها فرد واحد فقط، فهذا يكفيني.
لأن كلمة الحق لا تُقاس بعدد من صفقوا لها، بل بالشجاعة التي احتاجها صاحبها لكي يقولها.
magy-news@hotmail.com
