القائمة

من رسائل القلب

Linda Seleem 13 ساعة مضت 0 8.1 ألف

الرسالة التي جعلتني أحاكم نفسي

بقلم د. ليندا سليم

وصلتني رسالة من صديقة لم تطلب رأيًا، ولم تنتظر حكمًا، كانت فقط تبحث عن مكان تضع فيه قلبها بعدما أثقله العمر.

قالت لي: “اكتشفت متأخرة أنني لم أكن أحاكم أمي، بل كنت أدافع عن الصورة التي رسمتها لأبي.”

توقفت طويلًا أمام الجملة، شعرت أنها لا تخصها وحدها، بل تخص آلاف الأبناء الذين يرسمون لأحد الوالدين صورة القديس، ثم يقضون سنوات طويلة وهم يعاقبون الطرف الآخر لأنه لم يشبه اللوحة التي رسموها.

كبرت وهي ترى أباها المرجع والقدوة، الرجل الذي لا يخطئ، العالم الذي يعرف أكثر من الجميع، ولم تكن ترى من أمها إلا أنها لا تحبه، وأنها تريد الرحيل، وأنها اختارت الطلاق، ثم اختارت رجلًا آخر.

سنوات كاملة وهي تحاكم أمها.

ثم كبرت…

واكتشفت أن الصورة لم تكن كاملة.

اكتشفت أن أباها كان يحبها فعلًا، لكنه كان حين ييأس من زوجته يعود غاضبًا إلى أولاده، وأن الأطفال كانوا يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.

واكتشفت أن أمها، رغم قسوة أسلوبها وارتفاع صوتها وحدتها حين يخالف احد رأيها، ولكنها امرأة طيبة، كانت تفعل الخير ثم تهدمه بطريقة الكلام، تمنح الناس قلبها ثم تمنحهم في الوقت نفسه فرصة لإيذائها، وتفتح أبواب بيتها لمن يحسدها ويحصي عليها أنفاسها.

واكتشفت شيئًا كان الأصعب…

أنها لم تكن تدافع عن أبيها بقدر ما كانت تهرب من الاعتراف بأن الأسرة كلها كانت تنزف.

رحل الأب.

ورحل معه الغضب.

لم يبق إلا مشهد رجل مات وحيدًا، يحمل في قلبه أمنية بسيطة،أن تعود أسرته كما كانت.

أما الأم…

فقد هزمها العمر.

لم تعد تقوى على الوحدة، تبحث عن الونس، بينما يهرب منها الجميع لأن طريقتها أصبحت أصعب من احتمالهم، ولأن الكبر لا يغيّر الطباع، بل يكشفها أكثر.

والأبناء…

كل واحد منهم يحمل ندبة.

طلاق هنا…

ووحدة هناك…

وابن لا يرى إلا نفسه…

وبنت تحاول بكل ما بقي فيها من قوة ألا تكرر المأساة.

قالت لي: “أتمسك ببيتي ليس لأن حياتي كاملة، ولكن لأن أولادي لا ذنب لهم. أريدهم أن يشعروا بالأمان الذي حُرمنا منه،أريدهم أن يعرفوا أن الأب قد يغضب لكنه لا يساوم أبناءه، وأن الأم قد تختلف لكنها لا تجعل أبناءها رهائن لخلافها.”

ثم ختمت رسالتها بجملة كسرتني:

“لا أعرف هل أسامح أمي أم أبي، لكنني أعرف شيئًا واحدًا، أنني سامحت طفولتي.”

أغلقت الرسالة، وبقي سؤال واحد يطاردني…

كم ابنًا ما زال يحاكم أمه لأنه أحب أباه أكثر؟

وكم أبًا وأمًا يظنان أن خلافهما ينتهي بالطلاق، بينما يبدأ في تلك اللحظة عمر كامل من الارتباك داخل قلوب أبنائهما؟

لسنا مطالبين أن نبقى معًا إذا استحالت الحياة، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نختلف بها، لأن الطفل لا يتذكر أسباب الانفصال بقدر ما يتذكر الشعور الذي عاشه، ولا ينسى أبدًا من سرق منه الأمان.

فالبيوت لا يهدمها الطلاق وحده…

بل يهدمها حين ينتصر كل طرف لنفسه، ويُترك الأطفال وحدهم ليجمعوا شتات قلوبهم.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *