القائمة

ظل مواطن هولندي جديد | خطوات في فضاء النور والظلال

غرفة الأخبار 10 أشهر مضت 0 8.8 ألف

جئتُ إلى هولندا بفضول الرحالة وبإيمان وعزيمة طالب العلم ، لست لاجئًا، ولا عامل أمي ضيف.

فأنا لم أتي شخص بائس مُعدم, بل كشابٍ مصري، في العشرين من عمره، أحمل معي حقيبةٌ من الأحلام وقلبٌ مفتوحٌ للعالم.

أردتُ أن أتعلم، أن أفهم، أن أنمو. أردتُ أن أتكلم لغةَ التقدم، لغةَ المعرفة والعلوم والحكمة.
وجاء بي القدر إلى هذا البلد — إلى هذه الأرض المنبسطة، بين السحب وطواحين الهواء، حيث تعلو قيم الحُرية والمساواة والعدالة والمواطنة.

عشتُ كراهبٍ يسعى وراء العلم. أيامي مُمتلئةٌ بالكلمات والمفاهيم والنظريات، و لياليّ بالصمت.
عملتُ جاهدًا، أكلتُ القليل، فكرتُ كثيرًا. المكتبة كانت كنيستي، وقاعة المحاضرات كانت محرابي في ديرِي.

تعلّمتُ شيئًا فشيئًا الكثير عن هذا البلد، عن أبناءه، طرق تفكيرهم, عن روح الدعابة لديهم، صمتهم، ومسافاتهم الحذرة. وتعلّمتُ الكثير عن نفسي أيضًا وعن ثقافتي وجذوري — في التباين، وفي المواجهة.
كل لقاءٍ كان مرآة — أحيانًا صافية، وأحيانًا متكسّرة.

أنهيتُ دراستي، ارتقيتُ إلى مكاني، لا صدفةً بل استحقاقًا، قدّمتُ مُساهماتِي. لكن بدل الأذرع المفتوحة، وجدتُ الأبواب المغلقة.
قال لي دبلوماسيٌ هولندي يومًا — مُندهشًا ومُتأسفًا في نفس الوقت: “لديك سيرة ذاتية رائعة … لكن هولندا صغيرة جدًا لشخص مثلك. ربما كان من الأفضل أن تتوجه إلى المملكة المتحدة أو ألمانيا”.

وكأن المعرفة تحمل جواز سفر.
كأن الحرفية والجدية مرتبطة بلكنَة.

عشتُ هنا في هولندا ٣٥ عامًا. عملتُ وبَنَيْتُ. تشاركتُ معرفتي، أظهرتُ اجتهادي، قدمتُ مساهماتي,
ومع ذلك كثيرًا ما شعرتُ كنجم يجوّل في سماءٍ مغلقة. كلما أشرقتُ قليلًا، أطفأ ضيقُ الأفق ضيائي. غطاه غبار التعصب وخنفته العقليات المتحجرة المحدودة. وكأن عطائِي كان ذنبًا ووجودي كان جُرمًا.

كان عليك أن ترى وجوههم حينُ قمت بأعمال الترجمة الفورية بين العربية والهولندية، والإنجليزية – بلغة السياسة الدولية والدبلوماسية والطاقة الجديدة والمُتجددة. الدهشة تملّكَتهم. كأني كنت سِاحرًا لا موظفا مهنيا.

حاولتُ أن أبني جسورًا، لكن الجدران التي أحاطوا أنفسهم بها بقيَت. كانت في أغلب الأحيان غير مرئية، لكنها كانت محسوسة كالبرودة في فصل الصيف.

ثم قرأتُ كتب ومقالات لعالم الطب النفسي السويسري كارل يونج. تحدث عن الظِل: الجزء من الإنسان الذي يرفض رؤيته. فجأةً فهمتُ لماذا يثير اللطف في أغلب الأحيان كراهيتهم. ولماذا توقد الشفافية والبشاشة في التعامل معهم الشكّ. ولماذا يرى البعض في الابتسامة تحدّيًا. الظل لا يسكن في الأفراد فقط، بل في المجتمعات أيضًا. عندما يكون شخص مثلي لطيفًا، فريدا، مخلصًا,   يصبح مرآةً يرى فيها الآخرين ظلامهم.
هم لا يكرهُونني، إنما يكرهون ما أوقظه فيهم. خوفهم، عجزهم، الخيرَ المكبوت داخلهم.

لم يكن نضالي يومًا ضد الناس، بل ضد إسقاطاتهم. ضد خوف مجتمعٍ لم يعُد يرى مرآته الخاصة.

كان كارل يونغ على حق: لا يكره الإنسان بسبب شر بداخله، بل حماية لنفسه. من أنكر ظلَّه، لعن النور لأنه يفضحه.

تعلمتُ أن اللطف الحقيقي يحتاجُ لحدود, وأن العطف يتطلّب قوة, وأن اعتزازي بذاتي ليس ذنبًا أطلب غفرانه.

أنا هولندي من أصلٍ مصري. أنا جسرٌ لا يفضّل الكثيرون عبوره — من خوفٍ من أن يرَوْا كم أصبح طريقهم الخاص ضيقًا. لكنّي أبقى واقفًا. بين النور والظل. بين المعرفة والصمت. لأنّي أؤمن أن الإنسانية الحقيقية تبدأ حين لا تتحطم المرايا، بل عندما تقوم بما صٌنٍعًت من أجله.

*~* عاطف حمدي، ماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *