د.شيرين طلعت تكتب|
في الحلقتين السابقتين تحدثنا عن الضغط، عن الصمت، عن ذلك الرجل الذي يبتلع وجعه كل يوم ويقول “أنا بخير”، لكن ماذا يحدث حين لا يعود بخير؟ ماذا يحدث حين ينكسر الرجل تمامًا؟ الحقيقة أن الانكسار لا يأتي فجأة، ولا يحدث في لحظة واحدة كما نظن، بل هو تآكل بطيء من الداخل، يبدأ حين يتوقف عن الشكوى، ثم يتوقف عن التبرير، ثم يتوقف عن المحاولة نفسها.
الرجل الذي كان يقاتل ليحافظ على العلاقة، يتحول تدريجيًا إلى مجرد حضور صامت، جسد موجود بلا روح، بلا شغف، بلا رغبة في الإصلاح.
ينكسر حين يشعر أن كل ما يقدمه لا يُرى، وأن كل ما يُطلب منه لا ينتهي، حين تتحول كرامته إلى شيء قابل للتفاوض، وصمته إلى واجب مفروض عليه لا اختيار له فيه.
والأسوأ من كل ذلك أنه لا يصرخ، بل يهدأ، هدوءًا مخيفًا يشبه انسحاب الحياة من داخله، فلا يعود يغضب ولا يجادل ولا حتى يطلب حقه، وهنا يظن الطرف الآخر أنه أصبح أكثر نضجًا، بينما الحقيقة أنه وصل إلى مرحلة الانتهاء.
الرجل حين ينكسر لا يبحث عن بديل ولا عن انتقام، بل يبحث فقط عن النجاة، قد ينسحب بصمت، أو يبقى في المكان نفسه لكنه لم يعد موجودًا داخله، تراه أمامك لكنك لا تستطيع الوصول إليه، وهذا هو أخطر أنواع الانكسار، لأنه لا يُصلح بسهولة ولا يُفهم في وقته ولا يُقدّر إلا بعد فوات الأوان.
و في هذه المرحلة لا تكون المشكلة في العلاقة فقط، بل في الإنسان نفسه، الذي فقد جزءًا منه وهو يحاول أن يستمر، وفي الحلقة القادمة سنقترب أكثر من السؤال الأصعب: هل يمكن إنقاذ رجل بعد أن انكسر؟
