القائمة

مصر لا تحتاج إلى من يُصفق لها… بل إلى من يُحسن الحديث عنها

غرفة الأخبار شهرين مضت 0 8.8 ألف

د. ماجدة محمود…. تكتب

في وقت أصبحت فيه معارك العصر تُدار بالكلمة والصورة والمعلومة، لم يعد كافيًا أن تمتلك الدول تاريخًا عظيمًا أو قوة إقليمية، بل أصبح الأهم هو كيف تُقدَّم هذه الدول أمام العالم، ومن يملك القدرة على شرح حقيقتها والدفاع عن صورتها بلغة يفهمها الرأي العام الدولي. ومن هنا جاءت المبادرة التي طرحها الكاتب الصحفي سعيد السبكي، المقيم في هولندا منذ أكثر من أربعين عامًا، عبر مقالتيه المهمتين: “بين العاطفة الوطنية والعمل الاحترافي | كيف يُمكن للمصريين في الخارج دعم صورة مصر الحقيقية؟” و “حان وقت العمل | رؤية مصرية لحماية صورة الوطن في أوروبا بعيدًا عن الشعارات”، واللتين حملتا رؤية مختلفة تدعو إلى الانتقال من حالة الحماس العاطفي وردود الأفعال المؤقتة إلى العمل المؤسسي الاحترافي طويل المدى.

فالمشكلة الحقيقية لم تعد في وجود حملات تشويه أو تناول غير متوازن لبعض القضايا المصرية داخل عدد من وسائل الإعلام الغربية، بل في غياب خطاب مصري احترافي قادر على الوصول إلى العقل الأوروبي بلغته وأدواته وآلياته الفكرية والإعلامية. لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن كثيرًا من الدول باتت تدير صورتها الخارجية عبر مراكز معلومات ومنصات بحثية وشبكات إعلامية متخصصة تعمل بصورة هادئة ومنظمة ومستدامة، بينما ما زلنا في أحيان كثيرة نتحرك بمنطق رد الفعل والانفعال المؤقت.

ومن هنا تبرز أهمية ما طرحه سعيد السبكي من دعوة لإنشاء “مركز المعلومات والوثائق المصرية”، ليكون منصة حديثة متعددة اللغات تعمل على تقديم صورة مصر بصورة مهنية قائمة على المعلومات الموثقة والتحليل المتزن والخطاب العقلاني القادر على مخاطبة المجتمعات الغربية باحتراف. فالقضية لم تعد مجرد تحسين صورة، بل أصبحت جزءًا من حماية الأمن القومي المصري في عالم تتحكم فيه الروايات الإعلامية والانطباعات الذهنية في تشكيل المواقف السياسية والاقتصادية والثقافية.

إن مصر اليوم تحتاج إلى مشروع وطني متكامل يعتمد على الكفاءات المصرية بالخارج، ويستفيد من الخبرات الإعلامية والأكاديمية والثقافية القادرة على بناء جسور حقيقية مع الصحافة الأوروبية ومراكز الأبحاث والجامعات وصناع القرار، لأن معركة الوعي لا تُحسم بالصوت المرتفع، بل بالمعلومة الدقيقة والخطاب الذكي والعمل المستمر.

كما أن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في مواجهة حملات التشويه، بل في بناء حضور مصري مؤثر داخل المجتمعات الغربية، حضور يستطيع أن يشرح طبيعة الدولة المصرية، وتعقيدات المنطقة، والتحديات التي تواجهها مصر، بعيدًا عن الاختزال أو التسييس أو الصور النمطية الجاهزة.

لقد آن الأوان لأن تتحول الوطنية من مجرد مشاعر صادقة إلى مشروع عمل منظم، لأن الدول الكبرى لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي أيضًا صورتها وروايتها وحقها في أن تُفهم كما هي، لا كما يريد الآخرون أن يقدموها. وربما تكون هذه المبادرة التي أطلقها الكاتب الصحفي سعيد السبكي بداية مهمة نحو بناء خطاب مصري أكثر تأثيرًا واحترافًا، يليق بتاريخ مصر ومكانتها ودورها في منطقة لا تعرف إلا الأقوياء القادرين على إيصال صوتهم إلى العالم.

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *