بقلم د.ليندا سليم
حين يُعاد صياغة الفضاء السيادي، لا تُبنى الجدران لمجرد الحماية، بل لتُنتج “علامات” سيميائية تقرأها القوى الإقليمية والدولية. واختيار اسم “الأوكتاجون” (The Octagon) ليس مجرد محاكاة للفظ هندسي يوناني (Okto: ثمانية، Gonia: زاوية)، أو رغبة في منافسة “البنتاجون” الأمريكي؛ بل هو شفرة بصرية تعكس توقيتاً ومناسبة بالغي الدلالة في مسيرة الدولة المصرية الحديثة.
سيميائياً، يقع المثمن كبرزخ وفلسفة بين شكلين: “المربع”الدال على الأرض بحدودها الأربعة وثباتها الصارم، و”الدائرة” الدالة على السماء واللانهاية والاحتواء الشامل، في العمارة المصرية القديمة والإسلامية، كان المثمن هو الرابط الهندسي الحامل للقبة العالية فوق القاعدة المربعة، هنا يتجاوز “الأوكتاجون” محاكاته الغربية ليتحول إلى “أيقونة” ترمز لبلد يعبر من الثبات الدفاعي التقليدي إلى الاحتواء الاستراتيجي الشامل؛ إنه نقطة التوازن بين الجذور الأرضية الصلبة والأفق السائل للمستقبل.
أما عن سر الاختيار والتوقيت فقد جاء تدشين هذا الصرح في سياق “المناسبة الأكبر” وهي تأسيس الجمهورية الجديدة والانتقال إلى العاصمة الإدارية الكونية؛ حيث فرض توقيت القرن الحادي والعشرين بمتغيراته المعقدة وحروب الجيل الخامس، ضرورة مغادرة “المركزية الضيقة” لوسط القاهرة القديمة، والعبور نحو فضاء سيميائي جديد يعلن جاهزية مصر لإدارة الأزمات العابرة للحدود، لقد اختار العقل العسكري المصري هذا التوقيت بالذات ليرسل رسالة ردع بصرية ومؤسسية: أن الدولة انتقلت من مرحلة “الدفاع عن الحدود” إلى مرحلة “إدارة النفوذ وصناعة الاستقرار الممركّز”.
ومن الناحية الإنسانية، يتداخل هذا المضمون الهندسي مع فلسفة الحكم؛ حيث تفكك البنية الثمانية الموزعة صورة “السلطة المصمتة المعزولة” يتكون الصرح من 8 مبانٍ خارجية تحيط بالمركز كأذرع تحتضن القرار وتدير فضاءات أسلحة القوات المسلحة ،هذا التوزيع الفضائي يترجم إنسانياً مفهوم “الأمان التكافلي”؛ فالقوة لم تعد في الانغلاق، بل في مرونة الاتصال، كل ضلع هنا يمثل عيناً ساهرة لا تحرس الجغرافيا فحسب، بل تحمي أمن المواطن الحيوي من غدائه وصحته إلى أمنه السيبراني ومعلوماته في عصر تحولت فيه الحروب إلى صراع وجود.
إن “الأوكتاجون” في التحليل الأخير هو نص بصري بليغ مكتوب بالتكنولوجيا والخرسانة؛ رسالة توقيتية ومكانية مفادها أن مصر تعيد إنتاج مفهوم القوة الشاملة، محولة الأضلاع الثمانية إلى درع إنساني وثقافي يحمي هوية وطن بأكمله.
