كتب | د. مصطفى عبد الرازق
تخيل يا مؤمن أنك بعد تعب أكثر من ثلاث سنوات من أحسن سني عمرك وفي الفترة التي تعتبرها تمثل نضجك الإنساني والفكري – ما بعد الستين وبداية سنوات المعاش – تجد من يقدم على أن يمسح بأستيكة كل ما قمت به لا لشئ إلا لمجرد أنك خالفت معاييره.
بهذه البساطة قامت ادارة يوتيوب بحذف قناتي “منبر واصل” دون أن تأبه لأية دفوع في حكم نهائي لا رجعة فيه. اعترف أنني لم تساورني أية أوهام بشأن حرية الرأي أو خلافه من تلك القيم التي يسوقها الغرب ويمثله اليوتيوب .. لكنني تصورت أنه من خلال هذه الوسيلة يمكن للمرء أن يقول شيئا يتجاوز نطاقه المحلي أو الوطن بمعناه الضيق.
تخيلت أنني يمكن أن أطرح ما يجول بخاطري في الحدود التي يرتضيها ضميري المهني والإنساني .. ولكن ادارة اليوتيوب كان لها رأي آخر. كنت أتمنى أن أقدم جردة أو فهرس بما قدمته ليدرك من يقرأها كم كانت هذه المادة تمثل ما هو مشترك في الضمير الإنساني ليس العربي أو المسلم فقط ولكن الضمير العام .. رغم حزني على جهدي الذي بذلته وأخلصت له على مدار أكثر من ثلاث سنوات أشعر بالرضا عن أنني لم أخالف قناعاتي أو ضميري.
حينما أراجع ما قدمته اجد أن جهدي توزع على شقين تمثل الأول (نحو سنة ونصف السنة) في تقديم مراجعات فكرية لتراثنا الديني من خلال قراءات في كتب آخرين (عروض كتب ببساطة) باعتبار أن قماشة ذلك التراث واسعة وأن ذلك يستلزم علما ربما ينوء به تخصص واحد وهو جهد لم يكن هناك مشكلة معه على صعيد اليوتيوب.
غير أن المشكلة إنما بدأت في تصوري مع تحول مسار القناة على نحو ما أشرت في حلقاتي مع بدء الحرب على غزة حيث تم تغيير توجهها لمتابعة الحرب من كل جوانبها باعتبار أنه من العبث الخوض في موضوعات ربما تبدو ترفية فيما هناك جزء من الشعب الفلسطيني (سكان غزة) يتم ابادته. هنا بدأت المشكلة وبدأت تنبيهات اليوتيوب. اعترف أنني لم أنكر في أي الأحوال الهولوكوست رغم أن لي بعض الملاحظات بشأن المفهوم وأبعاده ولكني أشرت في حلقة كاملة الى أن إسرائيل تستنسخه في غزة. اوضح أنني لم ربما اتعاطف مع السنوار كقائد أو زعيم لحماس ولكنني رحت أقدم تساؤلات بشأن مساعي تشويهه في إعلامنا العربي، لم يكن يرق لي نمط تدخل حزب الله في الحرب على غزة ورأيته نمط يعبر عن استراتيجية خاطئة ولكني اعتبرت أن اغتيال حسن نصر الله زعيم الحزب ربما يغير خريطة الشرق الأوسط – ونحن بالفعل نسير في هذا المسار.
من المؤكد أن كل ذلك ربما لم يرق لادارة اليوتيوب التي راحت تعبر عن تحفظها بتنبيهي بشأن إحدى حلقاتي التي جاءت بعنوان : لماذا يفرح بعض العرب باغتيال قادة المقاومة؟ وعندما رحت استأنف على مثل هذا التحفظ كان حذف الحلقة بالكامل من ادارة اليوتيوب. كان ذلك سببا في تفكيري في وقف القناة أو العمل على تغيير دفتها من خلال شكل جديد ومادة جديدة وهو ما لم يسعفني قرار الإغلاق بتحقيقه. في ضميري وعقلي لم أقدم شيئا أخجل منه أو اتحفظ عليه بل أشرف تماما به وكنت أتمنى ان يبقي على اليوتيوب لكي تحكم الأجيال في المستقبل بشأنه ومدى صحته، وهو صحيح بالتأكيد من وجهة نظري.. وعزائي أنه موجود بشكل أو بآخر من خلال مقالاتي التي تعبر عن الأفكار ذاتها وموجودة ومنشورة ويمكن لأي قارئ أن يجدها على شبكة الإنترنت.
وبغض النظر عن ان “منبر واصل” قناتي التي تعبت من أجلها وعليها وبجهد وتمويل شخصي مع مساعدة من بعض من أمنوا بالفكرة وشجعوها، لم تكن قد انتشرت بالشكل الكافي حيث لم يتجاوز مشتركيها خمسة ألاف شخص، إلا أنها كانت بالنسبة لي مرضية فكريا ومعنويا وهو أمر ضاقت به اليوتيوب لا لشئ إلا لأنه يمس بإسرائيل من بعيد وليس من قريب! الأكثر مدعاة للحزن أنني لم احتفظ بنسخة احتياطية كاملة من مواد القناة .. والسؤال لذوي الأختصاص هل يمكن القيام بذلك الأن بعد إتمام الإغلاق؟
