ماجدة محمود… تكتب
لم أكن أبحث عن امتياز، ولا عن معاملة خاصة، فقط ذهبت كأي مواطنة مصرية بسيطة تحمل شكوى وتبحث عن حقها داخل قسم شرطة، مؤمنة أن المكان الذي يُطلق عليه “بيت الشعب” لا يمكن أن يُغلق بابه في وجه أحد. تحركت من القاهرة إلى القنطرة غرب، وأنا أحمل في داخلي يقينًا بأن الدولة تغيّرت، وأن وزارة الداخلية لم تعد كما كانت في عيون الناس قبل سنوات، بل أصبحت حصنًا للأمان وسندًا للمواطن.
لكن ما حدث أمام باب مأمور قسم القنطرة غرب كان صدمة لا تليق بهذه الصورة الجديدة التي نحاول جميعًا ترسيخها. وقفت أمام مكتبه أكثر من نصف ساعة، لا أعترض على الانتظار، فطبيعة العمل تفرض ذلك، لكن المؤلم لم يكن الوقت… بل التجاهل. خرج السيد المأمور، رآني، لم يسأل، لم يتوقف، لم يلتفت، وكأنني غير موجودة. ناديته بكل احترام: “يا باشا لو سمحت استفسار”… فلم يكن الرد إلا جملة عابرة: “أنا راجع”، ومضى.
هنا، لم تكن المشكلة شخصية، بل كانت لحظة كاشفة للفجوة بين ما نتمناه من بعض القيادات، وما يحدث على أرض الواقع. لأن المنصب لا يصنع الهيبة بقدر ما تصنعها الإنسانية، ولا يفرض الاحترام بقدر ما يفرضه التواضع.
وفي المقابل، ظهرت الصورة الحقيقية التي نفتخر بها داخل وزارة الداخلية. نائب المأمور، نموذج مشرف لرجل مسؤول، استمع، احتوى، وجّه، وتعامل بما يليق بمواطن لجأ إلى دولته. ثم جاء أمين الشرطة “الشربيني أبو عمار”، ذلك الرجل البسيط الذي لم يحتاج إلى رتب أو ألقاب ليُثبت معنى الاحترام. استقبلني بابتسامة، أنجز المحضر، وجبر بخاطرى ما كُسر في لحظة.
هنا تتجلى الحقيقة: وزارة الداخلية ليست فردًا، بل منظومة. منظومة تضم نماذج مشرفة تستحق التقدير، وأخرى – للأسف – قد تهدم ما يُبنى من ثقة بصمت.
ولا يمكن إنكار أن ما وصلت إليه الوزارة اليوم هو نتاج رؤية وإدارة واعية من الوزير الإنسان اللواء محمود توفيق، الذي أعاد رسم العلاقة بين الشرطة والمواطن، وجعل من الأمن مفهومًا إنسانيًا قبل أن يكون أمنيًا. في عهده، تغيّرت الصورة الذهنية، وأصبح رجل الشرطة أقرب إلى المواطن، وأكثر إدراكًا لدوره الحقيقي كخادم للشعب لا متعالٍ عليه.
لكن تبقى المشكلة حين يخرج بعض المسؤولين عن هذا الإطار، فيتصرفون وكأنهم فوق الناس، لا منهم. هؤلاء لا يمثلون الوزارة، لكنهم – دون أن يشعروا – يشوهون ما تبذله الدولة من جهد لاستعادة الثقة.
إن بناء الثقة أصعب بكثير من هدمها. وابتسامة بسيطة، أو سؤال عابر مثل “كنتي عايزة إيه؟” كان كفيلًا بأن يغيّر هذا المشهد بالكامل.
هذه ليست شكوى بقدر ما هي شهادة حق. شهادة تقول إن داخل وزارة الداخلية رجالًا يُشرفونها، ويستحقون كل التقدير… لكنها أيضًا رسالة بأن بعض القيادات تحتاج أن تتذكر أن الكرسي زائل، وأن ما يبقى هو الأثر، وكيف تعاملت مع الناس.
في النهاية، ستظل وزارة الداخلية حصن أمان لهذا الشعب، لكن قوة الحصن لا تقاس فقط بجدرانه… بل بمن يقفون على أبوابه.
magy-news@hotmail.com
