لاهاي | سعيد السُبكي
فى جلسة إجتماعية ثقافية ظهر اليوم مع الصديق جمال عز العرب الفنان التشكيلي المصري الأصل المقيم في هولندا بالمرسم الخاص به الذي يُعتبر متحفا فنيا لأعمال كاملة وأخرى فى طور الإبداع ، توقف حديثنا أمام وجه مرسوم على غلاف كتاب عن الفنانة العالمية مارلين دوماس.
لم يكن الوجه مجرد لوحة أو بورتريه تقليدي، بل ثلاثة وجوه بدت وكأنها تحمل حيوات كاملة بين طبقات اللون، فكان مدخلًا إلى عالم فني استثنائي استطاع أن يجعل من الوجه الإنساني نصًا بصريًا مفتوحًا على أسئلة الهوية والخوف والحب والذاكرة.
مارلين دوماس ليست رسامة بالمعنى التقليدي، بل هي فنانة تجعل من الرسم وسيلة للبحث في النفس البشرية.
وُلدت مادلين في كيب تاون بجنوب أفريقيا عام 1953، وعاشت طفولتها في ظل نظام الفصل العُنصري، قبل أن تنتقل إلى هولندا عام 1976، حيث استقرت في العاصمة أمستردام، وهناك تشكلت تجربتها الفنية التي جعلتها واحدة من أهم رسامي البورتريه في الفن المعاصر.
ما يميز دوماس أنها لا ترسم الأشخاص كما تراهم العين، بل كما تستشعرهم الذاكرة. تعتمد غالبًا على صور فوتوغرافية أو قصاصات صحف أو لقطات شخصية، لكنها لا تنقلها إلى اللوحة كما هي، وإنما تعيد خلقها عبر مساحات لونية شفافة وضربات فرشاة حرة تمنح الوجه بعدًا نفسيًا عميقًا. لذلك تبدو وجوهها وكأنها خارجة من حلم أو من ذاكرة بعيدة، تحمل مزيجًا من الحزن والقلق والغموض.
ولعل هذا ما كان يقصده الفنان جمال عز العرب وهو يشرح لي الغلاف؛ فالوجه في أعمال مارلين دوماس ليس غاية في ذاته، بل هو نافذة على الإنسان. إن العينين لا تنظران إلى المشاهد فقط، وإنما تستدرجانه إلى داخل اللوحة، ليصبح جزءًا من التجربة، فيسأل نفسه قبل أن يسأل الفنانة: من هذا الإنسان؟ وما الذي يخفيه خلف ملامحه؟
تتناول أعمال دوماس قضايا الإنسان الكبرى؛ الهوية، والعنصرية، والجسد، والعنف، والأمومة، والموت، والاغتراب. وهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك المشاهد أمام مساحة للتأمل. وربما يعود ذلك إلى تجربتها الشخصية كامرأة نشأت في مجتمع منقسم بسبب التمييز العنصري، ثم عاشت في بلد جديد وهي تحمل دائمًا شعور القادم من مكان آخر، وهو إحساس انعكس بوضوح في أعمالها.
ومن اللافت أن لوحاتها، على الرغم من بساطة عناصرها، تحقق حضورًا عالميًا استثنائيًا. فقد عرضت أعمالها في أبرز المتاحف الدولية، وأصبحت من أكثر الفنانين تأثيرًا في فن التصوير المعاصر، كما سجلت أعمالها أرقامًا قياسية في المزادات العالمية، وهو ما يعكس المكانة التي وصلت إليها في تاريخ الفن الحديث.
إن النظر إلى غلاف كتاب يحمل لوحة لمارلين دوماس ليس مجرد تأمل في صورة جميلة، بل هو بداية حوار مع فنانة تؤمن بأن الوجه البشري يحمل من الأسرار ما يفوق آلاف الكلمات. وربما لهذا السبب بدت ملاحظة الفنان جمال عز العرب ذات قيمة خاصة؛ فقد لفت الانتباه إلى أن قوة اللوحة لا تكمن في دقة الرسم أو جمال الملامح، وإنما في قدرتها على إثارة الأسئلة داخل المتلقي.
في زمن تمتلئ فيه الصور بالزينة والتجميل والبحث عن الكمال، تذهب مارلين دوماس في الاتجاه المعاكس. فهي تكشف هشاشة الإنسان، وتمنح الوجوه حقها في التعبير عن الألم والخوف والقلق والضعف، لتؤكد أن الفن الحقيقي لا يرسم ما تراه العين فقط، بل ما يشعر به القلب.
وهكذا، يصبح وجه على غلاف كتاب أكثر من مجرد رسم؛ إنه دعوة للتأمل في الإنسان نفسه، وهي الرسالة التي كرست لها مارلين دوماس حياتها الفنية، وجعلتها واحدة من أهم الأصوات التشكيلية في العالم المعاصر.
