كتب | سعيد السُبكي
على مدار الأشهر الأخيرة من عام 2025، سادت شكوك واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية حول ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيُقدِم فعليًا على إصدار أوامر بتنفيذ عمل عسكري داخل الأراضي الفنزويلية يستهدف الرئيس نيكولاس مادورو. غير أن التطورات المتلاحقة، التي culminated بعملية اعتقال مادورو، كشفت أن هذا السيناريو كان قيد الإعداد منذ فترة طويلة.
استعراض تسلسل الأحداث خلال الاثني عشر شهرًا الماضية يُظهر أن إدارة ترامب تبنّت نهجًا تصعيديًا مُنظمًا هدفه إزاحة مادورو عن السلطة، سواء عبر الضغط السياسي والاقتصادي أو باستخدام أدوات عسكرية وأمنية مباشرة.
البداية: غطاء قانوني للتصعيد
مع اليوم الأول للولاية الثانية للرئيس ترامب، في 20 يناير 2025، وقّع مرسومًا رئاسيًا يتيح تصنيف منظمات إجرامية، وفي مقدمتها كارتلات المخدرات، باعتبارها «منظمات إرهابية أجنبية». واعتبر مراقبون الخطوة أساسًا قانونيًا لتوسيع نطاق التحرك الأميركي خارج حدوده التقليدية.
إدراج جماعات فنزويلية على قوائم الإرهاب
في 20 فبراير، أدرجت الولايات المتحدة ثماني جماعات وكارتلات من أميركا اللاتينية على قائمة الإرهاب، من بينها عصابة «ترين دي أراغوا» الفنزويلية. وفي هذا السياق، وجّهت واشنطن اتهامات مباشرة إلى مادورو بالتعاون مع هذه العصابة في تهريب المخدرات إلى الأراضي الأميركية، رغم أن تقارير استخباراتية أميركية لاحقة نفت وجود أدلة حاسمة على هذا التعاون.
مسار قضائي متراكم
لم تكن هذه الخطوات معزولة عن سياق سابق، إذ تعود الإجراءات القانونية الأميركية ضد نظام مادورو إلى الولاية الأولى لترامب، عندما أعلنت وزارة العدل الأميركية عام 2020 توجيه اتهامات لمسؤولين بارزين في النظام الفنزويلي، في إطار قضايا تتعلق بالمخدرات والفساد.
حشد عسكري غير مسبوق
بالتوازي مع المسار القانوني، بدأت واشنطن حشدًا عسكريًا تدريجيًا قبالة السواحل الفنزويلية. ففي أغسطس 2025، وصلت ثلاث مدمرات صاروخية أميركية إلى المنطقة، أعقبتها سفن حربية إضافية تقل نحو 6000 جندي، إلى جانب طائرات قتالية. كما جرى نشر مقاتلات من طراز F-35 في بورتوريكو، وسط تقارير عن مشاركتها في عمليات عسكرية لاحقة.
وبلغ هذا الحشد ذروته في ديسمبر مع وصول حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد آر. فورد»، الأكبر في العالم، إلى منطقة الكاريبي، في رسالة اعتُبرت آنذاك ذات دلالات سياسية وعسكرية واضحة.
استهداف ما وُصف بـ«قوارب المخدرات»
في مطلع سبتمبر، دخل التصعيد مرحلة أكثر دموية، عندما أعلنت البحرية الأميركية استهداف قارب قالت إنه كان ينقل مخدرات إلى الولايات المتحدة، ما أدى إلى مقتل 11 شخصًا. وأكد الرئيس ترامب حينها أن القتلى ينتمون إلى عصابة «ترين دي أراغوا».
وتواصلت هذه العمليات في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، حيث سُجّلت عشرات الهجمات على قوارب صغيرة. وتشير التقديرات إلى قصف 36 قاربًا ومقتل ما لا يقل عن 115 شخصًا خلال تلك العمليات.
إعادة توصيف الصراع
في أكتوبر، أصدرت إدارة ترامب مذكرة رسمية اعتبرت أعضاء كارتلات المخدرات «مقاتلين غير شرعيين»، وأكدت أن الولايات المتحدة دخلت معهم في «نزاع مسلح». ويرى خبراء قانونيون أن هذا التوصيف، الذي كان يُستخدم سابقًا ضد تنظيمات مثل القاعدة، وفّر غطاءً قانونيًا لتوسيع العمليات العسكرية.
عمليات سرية وضغوط مباشرة
لاحقًا، أعلن ترامب أنه كلّف وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بتنفيذ عمليات سرية داخل فنزويلا. وفي نوفمبر، أدرجت واشنطن «كارتل دي لوس سوليس» على قائمة الإرهاب، مدعية أن مادورو يقوده، وهو ادعاء شكك فيه عدد من الخبراء لغياب الأدلة المباشرة.
اتصال هاتفي وإنذار سياسي
في أواخر نوفمبر، كشفت تقارير صحفية عن اتصال هاتفي بين ترامب ومادورو، منح خلاله الرئيس الأميركي نظيره الفنزويلي خيارين: مغادرة البلاد أو الإطاحة به. وفي تصريحات لاحقة، ألمح ترامب إلى إمكانية حل الأزمة «سلميًا» عبر عزل مادورو، وهو ما قوبل برفض قاطع من الرئيس الفنزويلي.

خنق اقتصادي وحصار بحري
عقب ذلك، صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية من خلال مصادرة ناقلات نفط وفرض حصار بحري أدّى إلى شلل كبير في صادرات فنزويلا النفطية. ورغم اعتراضات روسيا والصين، واصلت واشنطن إجراءاتها، مبررة ذلك باستهداف ما وصفته بـ«أسطول الظل» المموّل لأنشطة غير مشروعة.
هجوم غامض ونهاية المسار
في 29 ديسمبر، أعلن ترامب تنفيذ هجوم على منشأة يُشتبه في استخدامها لتحميل المخدرات على القوارب، دون تقديم أدلة ملموسة، فيما نفت فنزويلا الواقعة. غير أن التطور الأبرز تمثل لاحقًا في اعتقال نيكولاس مادورو، وهو ما اعتبره مراقبون تتويجًا لمسار تصعيدي عملت عليه واشنطن طوال عام كامل.
تكشف هذه الوقائع أن ما جرى لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة استراتيجية أميركية متدرجة جمعت بين الضغط القانوني والعسكري والاقتصادي. ومع اعتقال مادورو، يبدو أن ملف «تغيير النظام» في فنزويلا انتقل من مرحلة التخطيط إلى واقع جديد، ستتضح تداعياته الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.
