د.ليندا سليم تكتب|
في أوقات الأزمات لا تنكشف الدول بقدر ما تنكشف النفوس،فجأة ترتفع الأصوات، تتبدّل اللهجات، ويظهر من بين الصفوف من لا يكتفي بالقلق، بل يحوّله إلى هجوم،في المشهد الكويتي مؤخرًا، لم تكن القضية مجرد نقاش حول الجنسية أو القرارات السيادية، بل كانت مرآة عاكسة لصراع أعمق: صراع الهوية، والخوف، وإثبات الانتماء بأي ثمن.
الغريب أن أكثر الأصوات حدّة لم تكن دائمًا من أصحاب الجذور الراسخة، بل من فئة تبدو وكأنها في سباق دائم لإثبات أنها “الأكثر انتماءً”، هذا النوع من السلوك لا يأتي من فراغ، بل من شعور داخلي غير مُعلن: قلق من الشك، خوف من الرفض، رغبة ملحّة في نيل الاعتراف الكامل، فيتحوّل الانتماء من حالة طبيعية هادئة إلى عرض مستمر للقوة، وكأن صاحبه يقول دون أن يصرّح: “أنا هنا… بل أنا أحقّ من غيري.”
ومن هنا يبدأ التحول الأخطر فبدل أن يكون الدفاع عن الوطن قيمة إيجابية، يتحول إلى أداة إقصاء، الوافد يصبح هدفًا سهلًا، والمصري تحديدًا يصبح في مرمى النيران، ليس لأنه السبب الحقيقي للمشكلات، بل لأنه حاضر، ظاهر، وقريب، يتم تحميله ما لا يحتمل، والتعامل معه وكأنه عبء، رغم أن وجوده في الأصل جاء لسد حاجة، وللمساهمة في بناء واقع لا يمكن إنكاره.
المفارقة القاسية أن بعض من يهاجمون، قد تكون جذورهم يومًا ما قريبة من نفس المسار الذي يسخرون منه الآن، لكن بدل أن تنتج التجربة تعاطفًا، تنتج قسوة،وبدل أن تخلق فهمًا، تخلق رغبة في التفوّق على “الماضي” عبر جلد الآخرين، إنها دائرة نفسية معقدة: من ذاق القلق، يحاول الهروب منه بإلقائه على غيره.
وهنا يصبح واضحًا أن القضية ليست في “الجنسية” بقدر ما هي في “الشعور بالجنسية”،فهناك من يحملها بثقة وهدوء، لا يحتاج إلى إثبات يومي، ولا يرى في الآخر تهديدًا، وهناك من يحملها وكأنها عبء يحتاج إلى دفاع دائم، فيبالغ، ويشتد، ويقسو، ظنًا منه أن الصوت العالي يمنحه جذورًا أعمق.
وسط كل هذا، تبدو خطوات الدولة نحو التهدئة وكأنها قراءة واعية لما يحدث تحت السطح. لأن أخطر ما قد تواجهه أي دولة ليس الخلاف في الرأي، بل انقسام الشعور بالانتماء، الهدنة هنا لم تكن تراجعًا، بل محاولة لإعادة الاتزان، ولمنع تحول النقاش إلى فتنة، أو الاختلاف إلى كسر في النسيج الاجتماعي.
في النهاية، الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى خصومة، ولا إلى إثبات مستمر،فهو شعور هادئ،راسخ، يظهر في العدل قبل الحماسة، وفي الإنصاف قبل الغضب، أما حين يتحول إلى معركة، فغالبًا ما يكون ذلك دليلًا على أنه لم يستقر بعد في داخله.
