ما هي الحدود بين حُرية التعبير وخطاب الكراهية والتضليل الرقمي
كتب | سعيد السُبكي
لم تعُد منصات التواصل الاجتماعي مُجرد فضاءات للتعبير عن الرأي، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة تتداخل فيها السياسة بالإعلام، والحقائق بالشائعات، والنقد المشروع بحملات التشويه المنظمة.
وفي خضم هذا المشهد، برزت خلال السنوات الأخيرة موجات مُتكررة من المحتوى الذي يستهدف مصر، سواء عبر مقاطع مصورة أو تغريدات أو منشورات تتداولها آلاف الحسابات في وقت مُتقارب، الأمر الذي يُثير تساؤلات مهنية وقانونية حول طبيعة هذه الظاهرة:
هل هي تعبيرات فردية مُتفرقة، أم أنها تندرج ضمن حملات تضليل رقمي تستهدف التأثير في الرأي العام؟
يعتمد هذا التحقيق على مراجعة نماذج منشورة، وتحليل آليات انتشارها، ومُقارنة توقيتاتها، والرجوع إلى خبراء في الإعلام الرقمي والقانون الدولي، دون الانطلاق من أحكام مُسبقة أو اتهامات غير مدعومة بالأدلة.
أولًا: كيف تبدأ موجة الإساءة؟
يكشف تتبع عدد من الحالات أن كثيرًا من المنشورات المُثيرة للجدل تبدأ من حساب واحد أو شخصية معروفة، ثم يُعاد نشرها خلال ساعات بواسطة عشرات أو مئات الحسابات، بعضها حقيقي وبعضها يحمل مؤشرات تدل على نشاط غير طبيعي، مثل النشر المُتكرر والمُتزامن، أو غياب الهوية الواضحة، أو إعادة تدوير المحتوى ذاته بصيغ مُختلفة.
ولا يكفي هذا وحده لإثبات وجود حملة مُنظمة، لكنه يُبرر طرح الأسئلة والبحث عن الأدلة الرقمية التي تفسر نمط الانتشار.
ثانيًا: أين ينتهي النقد وتبدأ الإساءة؟
تؤكد المواثيق الدولية أن حُرية التعبير حق أصيل، لكنها ليست حقًا مُطلقًا. فحين يتحول الخطاب إلى تحقير شعب، أو نشر معلومات كاذبة بقصد التضليل، أو التحريض على الكراهية، فإنه يخرج من نطاق النقد المشروع إلى دائرة المُساءلة القانونية والأخلاقية.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين انتقاد السياسات أو المسؤولين، وهو أمر مشروع في المجتمعات الديمقراطية، وبين تعميم الإهانة على دولة أو شعب أو تزييف الوقائع التاريخية.
ثالثًا: اقتصاد “الترند”
يشير خبراء الإعلام الرقمي إلى أن المحتوى الاستفزازي يُحقق مُعدلات تفاعل أعلى من المحتوى المُتزن، وهو ما يدفع بعض صناع المحتوى إلى تبني خطاب صادم أو مُستفز بهدف زيادة المشاهدات وتحقيق عائدات مالية أو مكاسب سياسية.
وتوضح دراسات مُتخصصة أن خوارزميات المنصات لا تميز دائمًا بين الحقيقة والإثارة، بل تمنح الأفضلية لما يُحقق تفاعلًا أكبر، وهو ما يسمح أحيانًا بانتشار معلومات مُضللة بسرعة تفوق سرعة تصحيحها.
رابعًا: ماذا يقول القانون؟
في مُعظم الأنظمة القانونية، لا تحمي حرية التعبير نشر الأكاذيب أو التشهير أو التحريض على الكراهية. كما أن منصات التواصل نفسها تضع سياسات تحظر المحتوى الذي يحض على الكراهية أو يستهدف الأفراد أو الجماعات بسبب هويتهم الوطنية أو العرقية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية، بل في تنفيذها، خاصة عندما يكون ناشرو المحتوى خارج الحدود الوطنية أو يستخدمون حسابات مجهولة.
خامسًا: كيف تكون المواجهة؟
يرى مُتخصصون أن مواجهة حملات التضليل لا تكون بإطلاق حملات مضادة قائمة على الشتائم أو التخوين، بل ببناء خطاب إعلامي مهني يعتمد على التوثيق، وسرعة تصحيح المعلومات، وتعزيز الثقافة الرقمية لدى الجمهور، مع اللجوء إلى المسارات القانونية عندما يثبت وقوع تجاوزات.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الدول لا تُقاس بما يُكتب عنها في منشور عابر، بل بقدرتها على مواجهة التضليل بالحقائق، واحترام القانون، وتقديم رواية موثقة تستند إلى الأدلة لا إلى الانفعال.
