كتب | سعيد السُبكي
لم تعد الحروب والصراعات الدولية فى عصرنا الحديث تقتصر على الأسلحة التقليدية أو تدمير البنية التحتية أو حتى الهجمات السيبرانية، بل دخل العالم مرحلة جديدة من المُنافسة الاستراتيجية عنوانها الرئيسي: امتلاك العقول والخبرات القادرة على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول الكُبرى للسيطرة على مُستقبل التكنولوجيا، أصبحت كفاءات الذكاء الاصطناعي تمثل ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط أو السلاح النووي. ولهذا السبب بدأت كثير من الحكومات تنظر إلى العلماء والباحثين والخبراء باعتبارهم جزءًا من أمنها القومي.
وفي خطوة تعكس هذه الرؤية، كشفت تقارير دولية حديثة أن السُلطات الصينية فرضت قيودًا على سفر عدد من كبار خبراء الذكاء الاصطناعي العاملين في شركات مثل علي بابا DeepSeek، بحيث يتطلب وسفرهم إلى الخارج موافقات رسمية مسبقة، في إطار حماية التقنيات الحساسة ومنع تسرب الخبرات إلى المنافسين الدوليين.
الصين تتصدر سباق الكفاءات
تشير دراسات دولية إلى أن الصين أصبحت تمتلك أكبر رصيد بشري من المواهب المُرتبطة بالذكاء الاصطناعي في العالم.
ووفقًا لبيانات “Global AI Talent Tracker”، ارتفعت نسبة الباحثين الصينيين ضمن نخبة الباحثين العالميين في الذكاء الاصطناعي من نحو 29% عام 2019 إلى أكثر من 50% عام 2025، بينما تراجعت حصة الولايات المتحدة من 20% إلى نحو 12% خلال الفترة نفسها. كما أن 9 جامعات صينية جاءت ضمن أكبر 10 جامعات منتجة للباحثين المشاركين في مؤتمر NeurIPS، أحد أهم المؤتمرات العلمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عالميًا.
كما تشير تقديرات أخرى إلى أن الصين تخرج سنويًا ما يقرب من 3.5 مليون خريج في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، مقابل أقل من 820 ألف خريج في الولايات المتحدة.
أين تتفوق أمريكا؟
ورغم التفوق الصيني في عدد الباحثين والخريجين، فإن الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بموقع القيادة في الجوانب الأكثر تأثيرًا وربحية في صناعة الذكاء الاصطناعي.
فالشركات الأمريكية مثل OpenAI وGoogle وMeta وAnthropic تقود تطوير النماذج اللغوية العملاقة، كما تستحوذ على الجزء الأكبر من الاستثمارات الخاصة ورؤوس الأموال الموجهة للذكاء الاصطناعي.
وتشير دراسات أكاديمية إلى أن المختبرات الأمريكية ما تزال تتصدر من حيث جودة الأبحاث الأكثر تأثيرًا عالميًا، وحجم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والابتكارات الأساسية التي قامت عليها ثورة النماذج اللغوية الحديثة.

مقارنة رقمية بين الصين وأمريكا
بحسب تقارير ودراسات دولية حديثة:
- الولايات المتحدة تضم أكثر من 63 ألف باحث في الذكاء الاصطناعي.
- الصين تضم نحو 53 ألف باحث.
- البلدان معًا يستحوذان على حوالي 58% من إجمالي الباحثين في الذكاء الاصطناعي حول العالم.
وفي مجال الأبحاث العلمية:
- الصين تنتج نحو 23.2% من إجمالي الأبحاث العالمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
- الولايات المتحدة تنتج نحو 9.2%.
- الصين تتفوق كذلك في عدد براءات الاختراع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
أما في مجال الشركات الرائدة والنماذج الأكثر تقدمًا، فما زالت الولايات المتحدة تحتفظ بالأفضلية، رغم أن الفجوة مع الصين تتقلص بسرعة كبيرة وفق تقارير معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي.
معركة القرن
اللافت أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول تطوير البرمجيات، بل حول استقطاب العلماء والباحثين ومنع هجرتهم. فالصين تعمل على الاحتفاظ بكفاءاتها داخل البلاد عبر الرواتب المرتفعة والدعم الحكومي والقيود على انتقال الخبرات، بينما تعتمد الولايات المتحدة بدرجة كبيرة على جذب المواهب العالمية، بما فيها المواهب الصينية نفسها.
وتشير بعض الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الباحثين العاملين في المؤسسات الأمريكية المتقدمة في الذكاء الاصطناعي هم من خريجي الجامعات الصينية، ما يعكس الترابط الشديد بين أكبر قوتين تقنيتين في العالم رغم التنافس الحاد بينهما.
إذا كانت الحروب التقليدية قد حددت موازين القوى في القرن العشرين، فإن السيطرة على الذكاء الاصطناعي ستحدد موازين القوى في القرن الحادي والعشرين. واليوم تبدو الصين متقدمة في حجم الكفاءات البشرية والإنتاج البحثي، بينما ما تزال الولايات المتحدة تتصدر في الابتكار والاستثمار والشركات العملاقة. وبين الطرفين تدور معركة هادئة على العقول، قد تكون نتائجها أكثر تأثيرًا من أي مواجهة عسكرية تقليدية.
