بقلم: سعيد السُبكي
في الحلقة الأولى من شهادتي على سنوات الغليان في مصر، والتي حملت عنوان «بين الذاكرة والتاريخ.. شهادتي على سنوات الغليان في مصر»، رويت جانبًا مما عشته خلال المرحلة التي سبقت ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها من أحداث حتى نهاية عام 2016. ثم جاءت الحلقة الثانية لتتناول ما اعتبرته اختطافًا للثورة، وأعقبتها حلقة ثالثة عن مشاهد ووقائع رأيتها بعيني، من بينها إطلاق عناصر من جماعة الإخوان المسلمين النار على مقر القمر الصناعي بالمعادي.
ومع مرور السنوات، تتضح دلالات بعض الأحداث التي بدت وقت وقوعها مجرد وقائع عابرة. فالتاريخ لا يكشف أسراره دفعة واحدة، بل تتجمع شظاياه ببطء لتكتمل الصورة.
اليوم أستعيد ثلاث وقائع عشتها بنفسي خلال تلك المرحلة المُضطربة؛ كنت في اثنتين منها على بُعد خطوات من الموت. الأولى أمام مديرية أمن الجيزة في طريقي إلى جريدة الوفد بالدقي، والثانية أثناء توجهي إلى مبنى ماسبيرو للمشاركة في لقاء تلفزيوني، أما الثالثة فكانت الاعتداء على مقر حزب وجريدة الوفد بشارع بولس حنا في الدقي.
“أنت شقيق وائل الإبراشي!”
في أحد الأيام، كنت أقود سيارتي قادمًا من منزلي في المعادي ومتجهًا إلى مقر جريدة الوفد. وعند محيط مديرية أمن الجيزة، أوقفني عدد من عناصر الإخوان الذين كانوا يحملون أسلحة نارية.
فجأة، اقترب أحدهم من نافذة السيارة وصاح وهو يوجه بندقية آلية نحو صدري:
- “أهو ده أخو وائل الإبراشي!”
أجبته مرتبكًا:
- “لا يا أستاذ، أنا لست شقيقه.”
رد بعصبية:
- “وريني بطاقتك.”
في تلك اللحظة، لم يكن أمامي سوى التماسك. تناول بطاقتي الشخصية وراح يقرأها، ثم رفع رأسه قائلًا بسخرية:
- “السُبكي؟! آه… بتوع الأفلام الكافرة اللي بوظوا الشباب!”
قلت بهدوء حاولت أن أخفي خلفه خوفي:
- “لا يا سيدي، مُجرد تشابه أسماء.”
كانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها ساعات. خلفي اصطف طابور طويل من السيارات، وتعالت أصوات آلات التنبيه احتجاجًا على توقف الحركة. ومع تزايد التوتر، بدا أن العناصر المسلحة لا تريد افتعال أزمة أكبر في المكان.
عندها قال أحدهم لزميله:
- “سيبه… ده مش أخو الإبراشي. بس شبهه علشان شعره الأبيض الطويل.”
أعاد إليّ البطاقة، ولوّح بيده أن أنطلق.
تحركت بسيارتي أخيرًا، لكن يدي ظلتا ترتجفان فوق عجلة القيادة. كان جسدي كله ينتفض من هول ما جرى. لم يكن الخوف على نفسي وحدها هو ما يسيطر عليّ، بل الخوف على مصر ومستقبلها.
وأنا أكمل طريقي إلى جريدة الوفد، ظل سؤال واحد يطاردني: ماذا لو أُتيحت لهؤلاء المتشددين الفرصة كاملة للسيطرة على الدولة؟ وكيف سيكون مصير بلد بحجم مصر إذا أصبح السلاح والجهل والتعصب أدوات للحُكم؟
كانت تلك الواقعة، بالنسبة لي، أكثر من مُجرد موقف شخصي عابر. لقد كانت نافذة رأيت من خلالها ملامح مشروع خطير كان يهدد هوية الدولة المصرية واستقرارها، وهو ما جعلني أدرك، مع ملايين المصريين، أن وعي الشعب سيبقى دائمًا السلاح الأقوى في مواجهة محاولات اختطاف الوطن.
