القائمة

بين الذاكرة والتاريخ | شهادتي على سنوات الغليان في مصر “1”

غرفة الأخبار 21 ساعة مضت 0 6.7 ألف

عشت في القاهرة سنواتٍ استثنائية من تاريخ مصر الحديث، امتدت من الفترة التي سبقت اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 وحتى نهاية عام 2016. كان وجودي هناك مُرتبطاً بعملي الصحفي، حيث توليت إدارة فريق العمل الصحفي بمكتب إذاعة هولندا العالمية – القسم العربي، وهي تجربة مهنية فريدة ارتبطت بإنشاء أول مكتب إعلامي تابع للمملكة الهولندية في إحدى دول الشرق الأوسط، وهي قصة لها تفاصيلها الخاصة التي قد أرويها في وقت لاحق.

خلال تلك السنوات لم أكن مُجرد صحفي يتابع الأخبار من خلف شاشة أو مكتب، بل كُنت شاهداً قريباً من الأحداث، أراقب التحولات اليومية في الشارع المصري وأستمع إلى نبض الناس في المقاهي والجامعات والشوارع والأحياء الشعبية. رأيت بعيني كيف كانت ملامح الغضب تتراكم عاماً بعد عام، وكيف كانت المسافة تتسع بين قطاعات متنوعة من المجتمع والنظام السياسي القائم آنذاك.

لفت انتباهي قبل الثورة تصاعد جرأة الاحتجاجات بصورة غير مسبوقة. أتذكر جيداً أحد المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرتي؛ مجموعة من الشباب يجلسون على الرصيف المُقابل لمبنى مجلس الشعب في شارع القصر العيني وسط العاصمة المصرية القاهرة، وقد قيدوا أيديهم بسلاسل حديدية تعبيراً عن افتقادهم للحريات. كان المشهد يحمل مفارقة لافتة؛ فمن ناحية كان المحتجون يعلنون احتجاجهم الصريح على واقع سياسي يرونه مقيداً، ومن ناحية أخرى كانت السُلطات تسمح بحدوث ذلك المشهد في قلب العاصمة وأمام واحدة من أهم مؤسسات الدولة.

كما لاحظت أن كثيراً من الحركات الشبابية التي تصدرت المشهد في بداياته خرجت من رحم الطبقة الوسطى؛ شباب متعلمون، يمتلكون قدراً من الوعي السياسي والقُدرة على التنظيم واستخدام وسائل الاتصال الحديثة. لم يكن الدافع الأساسي لديهم الفقر أو الحاجة الاقتصادية المُباشرة، كما يحدث في كثير من الثورات التقليدية، بل كانت مطالبهم تدور حول الحُرية والكرامة والإصلاح السياسي ومُكافحة الفساد.

ومع اتساع رُقعة الاحتجاجات، انضمت إلى المشهد فئات اجتماعية متعددة؛ من الفقراء الذين أنهكتهم الأوضاع الاقتصادية، إلى مواطنين شعروا بالظلم نتيجة ممارسات بعض الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى قوى سياسية وتنظيمات كانت تمتلك خبرة طويلة في الحشد والتنظيم. ومن بين هذه القوى برزت جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها التنظيم الأكثر انتشاراً وقدرة على التعبئة في مُختلف المحافظات المصرية، فدخلت بقوة إلى المشهد السياسي مُستفيدة من حالة الغضب الشعبي والتغيرات المُتسارعة التي شهدتها البلاد، وهو ما أصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من الجدل السياسي الذي صاحب الثورة وما تلاها.

كنت أتابع كل ذلك بعين الصحفي ووجدان الإنسان في آن واحد. أحياناً كنت أشعر بالدهشة أمام سرعة التحولات التي يشهدها المجتمع المصري، وأحياناً كنت أرى في تلك اللحظات اقتراباً من حلم الديمقراطية الذي طالما آمنت به وأحببته. وفي أوقات أخرى كان اليأس يتسلل إلى النفس كلما بدا أن الواقع أكثر تعقيداً من الأحلام والشعارات.

ومن بين اللحظات التي تسللت فيها مشاعر اليأس إلى نفسي، حديث دار بيني وبين أحد الأشخاص العاملين في جهة سيادية بالدولة، فضّلت عدم ذكر اسمه أو منصبه. كنت قد عدت لتوي من محيط ميدان عبد المنعم رياض في ذلك اليوم المشهود الذي شهد قيام سيارة «فان» سوداء معتمة الزجاج بدهس عدد من المتظاهرين. كنت ما أزال تحت تأثير الصدمة والغضب، فرويت له ما شاهدته بعيني أملاً في أن أجد قدراً من التعاطف أو الإحساس بفداحة ما جرى، إلا أنه بدا لي غير متأثر بما أقول.

امتد الحديث بيننا إلى الثورة وما كان يجري في الشارع المصري آنذاك، وفوجئت به يقول لي حرفياً: «يا أستاذ سعيد، في ساعة الصفر يمكن أن نفتح صنابير المياه في ميدان التحرير، ثم نلقي سلكاً كهربائياً بجهد 380 فولت في الميدان، ومن يهرب يهرب، ومن يموت فذلك قدره، وليكن عبرة لغيره».

لا أستطيع أن أجزم اليوم إن كان الرجل يتحدث بجدية كاملة أم كان يبالغ في التعبير عن موقفه، لكن وقع كلماته عليّ كان صادماً إلى درجة لا تُوصف. شعرت بالغضب والذهول وأنا أستمع إليه، وبقيت أياماً طويلة بعد ذلك الحديث أعاني من القلق والكوابيس. وربما تضاعف ذلك الشعور لأن أولادي، وهم في مقتبل الشباب آنذاك، كانوا يتوجهون يومياً إلى ميدان التحرير، الأمر الذي جعلني أعيش صراعاً مؤلماً بين خوفي عليهم وإيماني بحق الناس في التعبير عن آرائهم ومستقبل بلادهم.

اليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الأحداث، أجد نفسي أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية تدفعني إلى الكتابة. لا أدعي امتلاك الحقيقة الكاملة، ولا أزعم أن هذه الصفحات ستكون التاريخ النهائي لما جرى، لكنها شهادة شاهدٍ عاش الأحداث من موقع قريب، ورأى كثيراً من الوقائع بعينيه، واستمع إلى روايات أصحابها في لحظاتها الأولى قبل أن تتداخل بها التأويلات والمواقف السياسية.

لذلك قررت أن أفتح دفاتر الذاكرة، وأن أكتب هذه السلسلة التي تتأرجح بين المذكرات الشخصية والشهادة الصحفية والتوثيق التاريخي. سأروي فيها ما رأيته وما سمعته وما عشته، بكل ما تسمح به الذاكرة من دقة، وبكل ما يفرضه الضمير المهني من أمانة. فالأحداث الكبرى لا تصنعها القرارات السياسية وحدها، بل تصنعها أيضاً التفاصيل الصغيرة والوجوه المجهولة واللحظات العابرة التي قد تغيب عن كتب التاريخ، لكنها تبقى حية في ذاكرة من عاشوها.

بعد مرور أكثر من عقد على اندلاع ثورة 25 يناير، لا يزال السؤال الأكثر إيلاماً يُطرح بإلحاح: كيف تحولت

انتفاضة شبابية طاهرة، كسرت جدار الخوف وأسقطت أحد أطول الديكتاتوريات عمراً في المنطقة، إلى حالة من الضبابية تحتاج الى مزيد البحث وتقصي الحقائق.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *