القائمة

هنا مصر: حين ينتقد السيسي الداخل… وأورويل يصفق من قبره

غرفة الأخبار 8 أشهر مضت 0 1.4 ألف

بقلم الإعلامية د. ماجدة محمود عبد العال

في زمن تبدو فيه الشعوب منهكة من الشعارات الفارغة والوعود المؤجلة، وفي لحظة اختبار حقيقية لتجربة مصر الديمقراطية، يتجلى مشهد فريد ينتمي إلى ما يمكن أن نسميه “النقد الوطني الأصيل”، نقد من الداخل لا يسعى لتحطيم الدولة، بل لإصلاح ما اعوج منها. وها نحن نشهد في مصر، مع بدء المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب، موجة من التساؤلات والغضب المشروع حول ما قيل إنه خروقات وتجاوزات في بعض الدوائر الانتخابية، سواء على مستوى التنافس الفردي أو القوائم.

لكن ما يميز هذه اللحظة ليس فقط وجود النقد، بل هو طبيعة رد الفعل الذي جاء من رأس الدولة نفسه. الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي تابع بدقة ما يجري، لم يتجاهل ما قيل، ولم يترك الأمر يمر كما لو كان مجرد “ضجيج انتخابي”. بل أبدى موقفًا واضحًا وصلبًا: التحقيق الشامل، مراجعة الطعون، والإعلان عن أي خلل — ولو أدى ذلك إلى إعادة الانتخابات في بعض الدوائر أو حتى إعادة المرحلة الانتخابية بأكملها. إنها لحظة تسجل فيها الدولة لنفسها موقفًا شجاعًا، يؤكد أن الشرعية الحقيقية لا تُستورد من الخارج، ولا تمنحها مؤسسات شكلية، بل تستمد من احترام صوت الشعب.

وفي هذه الأثناء، يستيقظ جورج أورويل من قبره الرمزي، الكاتب البريطاني الذي لطالما ربط النقد الذاتي بالولاء للوطن، لا بالخيانة. قال أورويل يومًا: “النقد الذاتي هو أعظم أشكال الولاء، لأنه يهدف إلى الإصلاح لا الهدم”. ومن مصر اليوم، يبدو أن الجملة لم تعد محض فلسفة بل أصبحت ممارسة سياسية حقيقية. السيسي، وهو على رأس الدولة، ينتقد، يصحح، يحقق — لا خوفًا من الغرب، ولا خضوعًا لمعارضة مزدوجة الوجه، بل استجابة لضمير وطني حقيقي يعرف أن العدالة تبدأ بالذات، وأن إصلاح الداخل لا يحتاج إلى أذن خارجية لتصفق له.

هذا لا يعني أن المشهد خالٍ من الفاسدين أو من أصحاب المصالح الضيقة. هناك من يحاول استغلال نظام القوائم الموحدة لفرض رجالهم باسم السياسة، أو يستخدم المال لشراء الأصوات، أو يظن أن البرلمان يصبح أداة لتحصيل المكاسب لا لحماية الدستور. لكن الفرق اليوم أن هناك دولة تعترف بأن الخلل موجود، وتجرؤ على تصحيحه. هناك قيادة تقول للشعب: “نعم هناك فساد، نعم هناك أخطاء، ونحن أول من يحاسب قبل أن يحاسبنا الآخرون”. وهنا يكمن جوهر الوطنية الحقيقية.

ورغم أن المشهد الداخلي مشهود له بهذه الروح النقدية، إلا أن الخارج يحاول أن يلعب دوره المأزوم. الإعلام المعادي والجماعات الإرهابية والجهات التي لا تريد لمصر أن تقف على قدميها، تعمد إلى استغلال كل نقد وكأنه اعتراف بالهزيمة. لكن من يفهم التاريخ يعرف أن الدول الكبرى لا تنهض إلا حين تنتقد نفسها بشجاعة. نحن لا نمنح أعداء الداخل فرصة للإفساد، ولا نمنح الخارج الفرصة للتشويه. نقدنا لأنفسنا هو سلاح دفاعي وهجومي في آن واحد، يحمينا من الانهيار ويمنع الآخرين من إسقاطنا.

المثل المصري الشعبي “أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب” ليس دعوة للتمييز، بل هو دعوة لفهم أن خلافاتنا الداخلية لا يجب أن تُستخدم كذخيرة في يد من يتربص بنا. نعم، قد نختلف، وقد ننتقد، وقد نثور ضد من أساء، لكننا في النهاية شعب واحد، وجسد واحد، يعرف أن إصلاح الخطأ لا يعني تمزيق الوطن، بل العكس تمامًا، يعني أن الوطن أصبح أقوى.

إن ما يجري اليوم في مصر يمكن أن يكون درسًا مبكرًا في الديمقراطية الحقيقية. لا ديمقراطية بدون رقابة، ولا عدالة بدون مساءلة، ولا وطن بدون صوت حر يعلو فوق المصلحة الحزبية أو الشخصية. النقد ليس خيانة، بل واجب. وإعادة الانتخابات ليست هزيمة، بل انتصار أخلاقي ودستوري لرئيس يؤمن بأن شرعية حكمه من شرعية شعبه وحده.

تحيا مصر… تحيا إرادة الشعب… ويحيا النقد الذاتي الوطني الذي يبني وطنًا لا ينهار مهما اشتدت العواصف أو تلاعبت الأيدي الخفية!

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *