بقلم د.ليندا سليم
هذا المتن لا يشمل إلا من روحه تشبه روحي،فكلما تقدّم بي العمر، يحدث شيء غريب في روحي، الأشياء التي كانت تملأ أيامي صخبًا تفقد بريقها تدريجيًا، والضجيج الذي كنت أظنه حياة أصبح عبئًا ثقيلاً، وكثير من العلاقات التي سعيت للحفاظ عليها بكل ما أوتيت من جهد تركت في قلبي إرهاقًا أكثر من راحة.
فوجدت نفسي ابحث عن الهدوء، وأميل إلى الوحدة، وأشعر أن الجلوس وحدي أكثر راحة من محاولة التكيّف المستمر مع توقعات الآخرين.
ولطالما راودني سؤال لا أعرف إجابته، لكنه سؤال يمس القلب: هل يدرّبنا الله على القبر؟
لا أقول ذلك يقينًا، فحكمة الله أوسع من أن يحيط بها عقل بشر، لكنني أتأمل فقط، فالقبر هو الرحلة الوحيدة التي سيخوضها كل إنسان بمفرده، مهما امتلأت حياتنا بالوجوه والأسماء والذكريات، سيأتي يوم نترك فيه كل شيء خلفنا، لن يدخل معنا صديق أحببناه، ولا زوج اعتدنا وجوده، ولا ابن تعلقنا به، ولا أخ شاركنا العمر،سندخل وحدنا كما خرجنا إلى الدنيا وحدنا، ولن يبقى معنا إلا ما حملناه في قلوبنا وما قدمناه من عمل.
وربما لهذا السبب يخفف الله تعلقنا بالأشياء شيئًا فشيئًا، او يخففها “علي” ليس لأن الحياة لا تستحق أن تُعاش، ولا لأن البشر لا يستحقون الحب، بل لأن القلب لو ظل متعلقًا بكل شيء حوله إلى آخر لحظة، لكان الفراق أقسى مما يحتمل,لذلك تمر بنا تجارب نفقد فيها أشخاصًا، أو تتغير فيها العلاقات، أو نكتشف أن بعض من أحببناهم لم يكونوا كما ظننا،فنحزن، ونتألم، ثم ننهض، لنفاجأ بأن جزءًا من تعلقنا بالدنيا قد انزاح دون أن نشعر.
ومع مرور السنوات لا تصبح الوحدة دائمًا علامة حزن، بل قد تتحول إلى مساحة من الراحة،نكتشف أن الصمت ليس فراغًا كما كنا نظن، وأن الهدوء ليس عزلة مخيفة، وأن الإنسان يستطيع أن يجد في خلوته ما لا يجده أحيانًا وسط عشرات الأشخاص، فبعض الناس لا يتعبوننا بوجودهم فقط، بل يتعبوننا بمحاولاتنا المستمرة لأن نكون النسخة التي ترضيهم، لا النسخة التي تشبهنا،لذلك نشعر أحيانًا أن الابتعاد عن الجميع ليس هروبًا، بل عودة إلى أنفسنا.
وربما هنا تكمن إحدى أجمل الحكم التي نتعلمها مع العمر؛ أن الأنس الحقيقي لا يأتي دائمًا من كثرة الناس حولنا، بل من شعور عميق بالسكينة داخلنا،وأن الإنسان كلما اقترب من الله، قل خوفه من الوحدة، لأنه يدرك أنه في الحقيقة ليس وحيدًا،فهناك دعاء يرافقه، وذكر يطمئن قلبه، وسجدة يعرف أنها كانت صادقة، ورب يسمعه حتى عندما لا يسمعه أحد.
وعندما أفكر في القبر من هذه الزاوية، أشعر أن الأمر أقل رهبة مما نتخيل، نعم، هو مكان الوحدة، لكنه أيضًا مكان اللقاء الأول مع الحقيقة الكاملة، وإذا كان المؤمن قد تعلّم في الدنيا أن يستأنس بالله، فربما لا تكون وحدته هناك كما نتصور، فالقبر لا يدخله الإنسان مصحوبًا بالناس، لكنه لا يدخله خاليًا تمامًا؛ يدخل ومعه صلاته، وصدقاته، وكلماته الطيبة، ودموعه التي لم يرها أحد، وكل خير فعله لله ثم نسيه.
لهذا لم أعد أنظر إلى ميل الإنسان للهدوء مع تقدّم العمر باعتباره أمرًا سلبيًا دائمًا، ربما يكون نضجًا، وربما يكون راحة بعد سنوات من الركض، وربما يكون تهيئة لطيفة من الله لمرحلة يدرك فيها الإنسان أن أجمل ما يمكن أن يصل إليه القلب هو أن يأنس بخالقه أكثر مما يأنس بكل ما سواه.
ولعلنا لهذا السبب، كلما كبرنا، لم نعد نبحث عن كثرة الرفاق بقدر ما نبحث عن الطمأنينة،ولم نعد نخشى الجلوس مع أنفسنا كما كنا من قبل،وكأن الروح، بهدوء لا نشعر به، تتعلم أن تتخفف من ضجيج الدنيا شيئًا فشيئًا، حتى إذا جاء يوم الرحيل لم يكن أغلى ما فيها الناس ولا الأماكن ولا الذكريات، بل ذلك الأنس العميق بالله الذي يبقى حين يغادر كل شيء آخر.
من لم يجد نفسه في هذا المتن فهو والله اعلم ربما اكثر تعلقا مني بهذة الفانية او عله يكون هو الأصوب ووجد فيها متاعا يزيده يقينا بأن الجنتنان للنعيم وحظى بهما.
