كتب : رئيس تحرير تايم نيوز أوروبا بالعربي | سعيد السبكي
كان من الواضح منذ بداية العام الماضي 2020 ان الإدارة السياسية الهولندية تتعامل مع جائحة كورونا بأيادي مُرتعشة، ومن ناحية ثانية لوحظ انها – حكومة روته3 – أولت اهتماماً بالقطاعات الاقتصادية، وحركة رؤوس الأموال فوق اعتبارات صحية، وإنسانية كان من الطبيعي أن تحتل جدول الأولويات، في هولندا التي تعودنا في حالات كثيرة انها تضع الإنسان محور اهتماماتها، سواء كانت توجهات الحكومة يمينية أو يسارية أو ما بينهما.
أما الآن بعد أن أصبحت الحكومة مُنتهية الولاية رسمياً ، وآياديها حُرة خالية من ” بعض القيود ” فهي تواجه اتهامات من طرف التيارات اليسارية والاشتراكية بانها تتبع سياسة أكثر قمعية، وهى اتهامات ليس من المُمكن الدفاع عنها، ومن الصعب تأييدها.
لقد تنحت حكومة روته3 في يوم الجمعة 15 ينايرالشهر الماضي بتقديم استقالتها الجماعية، بعد فضيحة سرقة أموال “رعاية الأطفال” ، فالآن لا يُمكن سقوطها مرة ثانية، خاصة في الوقت الذي تزال غالبية أعضاء مجلس النواب مكونة من ساسة يمينيين الهوى والعقيدة.
لا يُمكن إغفال ان أزمة جائحة كورونا تجعل الأمر ضروريًا للغاية للاستمرار في الحُكم، وكأن شيئًا لم يحدُث على الإطلاق!!..
لكن المنهج الكارثي لمُكافحة فيروس كورونا يسير بذات السياسات، التي وصفتها بعض من وسائل الاعلام الهولندية بـ القذرة، وهو الوصف الذى نتحفظ عليه، الا ان المُدقق فى عموم الأحداث على الساحة الهولندية، يستطيع رصد حالة من مطاردة ساحرات لمُحتالين غير موجودين.
ما يفعله ” روته ” الليبرالي – مُعتنق أيدلوجية حماية رؤوس الأموال – رئيس وزراء الحكومة المُنتهية ولايتها يساهم إلى حد ليس بالقليل في تحطيم الضمانات الإجتماعية وإعادة تسويقها سياسيا، وذلك من أجل إفساح المجالات للشركات التجارية، والاحتفاظ بأموال كافية لدعم كافة أنواع المُستفيدين، وعلى رأسهم كبار المُستثمرين المُساهمين، ومن أجل تبرير هذا الوضع الذي يدعو للخجل، وجدنا حالة من تجريم الفقراء وليس الذين يكنزون الأموال، وأصبح المواطنون – خاصة العمالة الكادحة هُم مذنبون.
شهد النصف الأول من عام 2020 وفاة أكثر من 86 ألف إنسان من سُكان هولندا، وهذا يزيد بنحو 9 آلاف عن النصف الأول من عام 2019، وأكثر من 5 آلاف مُقارنة بالفترة نفسها من عام 2018. ويتزامن ارتفاع معدل الوفيات مع تفشي وباء كورونا في هولندا.
ومن شهر مارس إلى يونيو العام الماضي 2020 ، توفي 7797 شخصًا، تم تشخيص COVID-19 ، المرض الناجم عن فيروس كورونا المُستجد، من قبل الطبيب المعالج. أشار الطبيب المعالج أو الفاحص إلى أن سبب الوفاة كان محتملاً COVID-19 من بين 2270 حالة وفاة أخرى. وبالتالي ، توفي ما مجموعه 10067 شخصًا تأكدت أو اشتبه في أن COVID-19 كان سبب الوفاة.
كان من الممكن تقليل نسبة عدد الوفيات والاصابات، فيما لو لم تكن آيادي حكومة روته3 مُرتعشة، واتخذت منذ بداية جائحة كورونا قرارات جريئة حاسمة بإغلاق تام لحماية البشر، لكنها لم تفعل وتعللت بخيارات سياسية تشمل : (تطبيق الديمقراطية – عملية الإغلاق الجُزئي – المسؤولية الذاتية للمواطنين) .
هذا اضافة الى ان التأرجح ما بين الاغلاق الجزئي لساعات مُحددة، واعادة افساح الحياة أدى لتكبد صغار المستثمرين وأصحاب الأعمال خسائر مالية كبيرة، ولم تكفى منح المساعدات الحكومية لتعويضهم ما خسروه، ومازالوا يتكبدوه من خسائر حتى اليوم. ولقد ثبت بوضوح أن سياسة التعامل مع جائحة كورونا وتوابعها، تم فيها مُراعاة الحد من الأضرار التي لحقت برأس المال الكبير قدر الإمكان. أما رواد الأعمال الصغار فلم يكن سقوطهم يشغل بال حكومة روته بالقدر المُناسب، حيث احتلت سياسة حماية أرباح الشركات الكبيرة إهتمامات الحكومة.
كانت إرادة مجلس الوزراء الهولندي هي السماح للمُجتمع بالاستمرار في ممارسة كافة شئون الحياة، أملاً في أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى حدوث “حصانة جماعية أو ما يًطلق عليه بمناعة القطيع”. لكن تلك السياسة أدت إلى موجة أولى مميتة بلا داع أودت بحياة حوالي 10000 إنسان.
– التمييز العُنصري بين طبقات الشعب سلباً وايجاباً له أوجه كثيرة، وهو حرفة يمتهنها الساسة بالقُدرة على استخدام عبارات لغوية مُنمقة، تبدو في ظاهرها – أحياناً منطقية ومُقنعة للعامة، لكن سرعان ما تنتصر لغة الوقائع سواء المؤلمة أو المُريحة، وتكشف مسالب ما كان لها أن تحدث.
فعندما أُجبرت الحكومة فعليًا على اتخاذ إجراءات أولية وإغلاق المؤسسات التعليمية والمتاجر، تغير خطاب الحكومة بشكل حاد، والآن أصبحت القرارات الحاسمة محورية.
كان الساسة في صيف العام الماضي 2020 يتحدثوا عن لجوء المواطنين الذين ذهبوا للشواطئ أو من ذهبوا للتريض في نزهة على الأقدام في الغابات، ووصفوا تلك الخطوات في حينه بانها غير مسؤولة، وبررت الحكومة الانتقادات بانها عرّضت المواطنين لخطر مزيد من الاصابة بفيروس كورونا، وانها وصفت ذلك بعدم المسئولية لأنها تهدف لمنع حدوث انتكاسات صحية كبيرة للمواطنين، لكنها – الحكومة – أغفلت ان الشواطئ والغابات هي متنفس وحيد للفقراء والطبقة المتوسطة، الذين ليس لديهم ملاعب جولف خاصة بهم مثل الأثرياء، ومعظمهم من أنصار حزب مارك روته الليبرالي.
لقد سقطت حكومة روته3 مرة والآن هي أكثر جرأة وحسم، وهى تعلم مهما حدث من أخطاء أو فضائح فلن تسقط مرة ثانية، فالانتخابات على الأبواب، وليس من المُستبعد أن تأتي حكومة يمينية جديدة متمثلة في روته4 وأعوانه.

مقال و تحليل ممتاز
شكرا لك يا عزيزي