القائمة

من نافذة القطار (5)

Linda Seleem يوم واحد مضت 0 9.4 ألف

عندما تُطلق الصفارة

بقلم.دأسامة أحمد زارع

من أكثر الأصوات التي بقيت عالقة في ذاكرتي…

صوت صفارة القطار.

صوت قصير…

لكنه يحمل رسالة لا تحتاج إلى شرح.

لقد حان وقت الرحيل.

بعدها تُغلق الأبواب، ويتحرك القطار، ويصبح من بقي على الرصيف ذكرى، ومن صعد إلى العربة جزءًا من الرحلة.

ومع مرور السنوات، اكتشفت أن حياتنا مليئة بالصفارات…

لكننا لا ننتبه إليها إلا بعد أن تمر.

كانت أول صفارة…

يوم دخلنا المدرسة لأول مرة.

بكينا لأننا ظننا أننا نفارق البيت لساعات، ولم نكن نعلم أننا بدأنا رحلة العمر.

ثم جاءت صفارة أخرى…

يوم وقفنا في طابور الصباح، نحلم أن نكبر سريعًا، دون أن ندرك أن أجمل الأيام كانت تمر أمام أعيننا.

ثم جاءت صفارة جديدة…

يوم دخلنا الجامعة.

كنا نظن أننا ذاهبون لنحصل على شهادة، فإذا بنا نتعلم الحياة، ونلتقي بأشخاص سيصبح بعضهم ذكرى، وبعضهم جزءًا من أعمارنا.

ولبعض الشباب…

كانت هناك صفارة أخرى.

صفارة التجنيد.

لم تكن مجرد بداية خدمة عسكرية، بل كانت بداية لاكتشاف معنى الالتزام، والصبر، وتحمل المسؤولية، والاعتماد على النفس.

كم من شاب دخلها فتى…

وخرج منها رجلًا يعرف أن الحياة لا تُبنى بالأماني وحدها.

ثم توالت الصفارات…

صفارة أول عمل.

وصفارة أول نجاح.

وصفارة فرحة التخرج.

ثم فرحة الماجستير.

ثم الدكتوراه.

وفي كل مرة كنا نظن أننا وصلنا…

لنكتشف أن القطار ما زال أمامه محطات كثيرة.

لكن…

ليست كل الصفارات مبهجة.

فهناك صفارة وداع.

وصفارة فراق.

وصفارة آخر لقاء مع إنسان أحببناه، دون أن نعرف أنه اللقاء الأخير.

كم من مرة افترقنا عن أشخاص ونحن نقول لهم:

“إلى اللقاء.”

ولم نكن نعلم أن القدر كان يقصد:

“وداعًا.”

ومن نافذة القطار تعلمت…

أن الحياة لا تخبرنا متى تكون اللحظة الأخيرة.

لهذا…

لا تؤجل كلمة طيبة.

ولا تؤجل اعتذارًا.

ولا تؤجل زيارة من تحب.

ولا تجعل بينك وبين أحد خصومة قد يمنعك القدر من إصلاحها.

فالصفارة لا تستأذن أحدًا…

ولا تمنحنا فرصة لإعادة المشهد.

وحين يتحرك القطار…

لا يبقى لنا إلا الذكريات.


تذكرة من نافذة القطار

عِش كل محطة بقلب حاضر… فقد تسمع صفارة الرحيل، قبل أن تنطق بالكلمة التي كنت تؤجلها.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *