بقلم د.اسامة احمد زارع
حقائب لا يراها أحد
في كل مرة أستقل فيها القطار، أجد مشهدًا يتكرر دون أن يملّ.
رجل يصارع حقيبة كبيرة ليضعها فوق الرف.
سيدة تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تحمل شيئًا لا يُقدَّر بثمن.
وشاب يكتفي بحقيبة ظهر، لكنها تبدو أثقل من أن يحملها كتف واحد.
وبينما كنت أراقبهم، خطر لي سؤال لم يفارقني:
هل حقًا هذه هي الحقائب التي يحملها الناس؟
أظن أن لكل واحد منا حقيبة أخرى…
لا يراها أحد.
حقيبة مليئة بكلمات لم تُقل.
واعتذارات تأخرت.
وأحلام لم تكتمل.
وخذلان لم ينسه القلب.
وأمنيات ما زالت تنتظر محطة الوصول.
رأيت رجلًا يبتسم لكل من حوله، لكن عينيه كانتا تحكيان قصة أخرى.
ورأيت شابًا يضحك بصوت عالٍ، بينما بداخله صمت لا يسمعه أحد.
ورأيت أمًا تنشغل بإطعام طفلها، وكأنها تخفي خلف ابتسامتها ألف خوف على مستقبله.
عندها أدركت…
أننا لا نتعب من حمل الحقائب التي في أيدينا…
بل من حمل تلك التي في قلوبنا.
ومن نافذة القطار تعلمت أن الناس لا يحتاجون دائمًا إلى من يسألهم: “ما بك؟”
أحيانًا يحتاجون فقط إلى من يشعر بهم دون سؤال.
إلى كلمة طيبة.
إلى ابتسامة صادقة.
إلى مقعد يفسح لهم مكانًا، وكأن الحياة تقول لهم: “ما زال في الطريق متسع.”
ولهذا لم أعد أتعجل الحكم على أحد.
فالذي تراه هادئًا، قد يكون يخوض معركة لا يعلمها إلا الله.
والذي يبدو قويًا، ربما يقف على حافة الانكسار.
والذي يضحك كثيرًا، قد يكون أكثر الناس احتياجًا لمن يسمعه.
ومع اقتراب القطار من محطة جديدة، بدأ الركاب يلتقطون حقائبهم استعدادًا للنزول.
أما أنا…
فكنت أفكر في تلك الحقائب التي ستغادر معهم، دون أن يراها أحد.
ودعوت الله أن يخففها عنهم…
وعنّا جميعًا.
تذكرة من نافذة القطار
لا تحكم على أحد من ملامحه… فهناك حقائب يحملها القلب، لا تستطيع العين أن تراها.
