كتب | سعيد السُبكي
لا تزال مأساة سريبرينيتسا تمثل واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ الأوروبي الحديث، ليس فقط بسبب حجم الجريمة التي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة، بل أيضاً بسبب الجدل الذي لم ينتهِ حول مسؤولية المجتمع الدولي، وبشكل خاص هولندا، عن الفشل في حماية المدنيين.
مهمة أممية انتهت بكارثة
في عام 1993 أعلنت الأمم المتحدة سريبرينيتسا “منطقة آمنة”، وأوكلت مهمة حمايتها إلى كتيبة هولندية من قوات حفظ السلام، عُرفت باسم Dutchbat، وضمت نحو 450 جندياً.
لكن مع بدء الهجوم الذي شنته القوات الصربية البوسنية بقيادة راتكو ملاديتش في يوليو/تموز 1995، وجدت الكتيبة نفسها معزولة، ضعيفة التسليح، وتفتقر إلى الغطاء الجوي والدعم العسكري الكافي من الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
ورغم وجود آلاف المدنيين الذين لجأوا إلى القاعدة الهولندية في بلدة بوتوتشاري، لم تتمكن القوات الهولندية من منع دخول القوات الصربية، كما قامت لاحقاً بإخراج آلاف اللاجئين من القاعدة، قبل أن تقوم القوات الصربية بفصل الرجال والفتيان عن النساء والأطفال، لتنفيذ عمليات الإعدام الجماعي التي هزت العالم.
لماذا تُحمّل هولندا جزءاً من المسؤولية؟
على الرغم من أن منفذي الجريمة هم القوات الصربية البوسنية، فإن الانتقادات التي وُجهت إلى هولندا استندت إلى أن الكتيبة الهولندية كانت القوة الدولية المكلفة بحماية المنطقة الآمنة، لكنها أخفقت في أداء هذه المهمة.
ويرى منتقدون أن القيادة الهولندية والأمم المتحدة لم تُقدّرا حجم الخطر، ولم توفرا للقوات الموجودة على الأرض الإمكانات اللازمة للدفاع عن المدنيين، بينما يؤكد آخرون أن الجنود الهولنديين أنفسهم كانوا ضحية قرارات سياسية وعسكرية اتُخذت في مستويات أعلى، وأنهم تُركوا في مواجهة وضع يفوق قدراتهم وإمكاناتهم.
تقرير هولندي أطاح بالحكومة
في عام 2002 نشر المعهد الهولندي لتوثيق الحرب (NIOD) تقريراً استغرق إعداده عدة سنوات، وخلص إلى أن الحكومة الهولندية أرسلت جنودها في “مهمة شبه مستحيلة” دون تجهيزات أو تفويض واضح يمكّنهم من حماية المدنيين.
وأدى التقرير إلى استقالة حكومة رئيس الوزراء فيم كوك، في خطوة نادرة عُدت تحملاً للمسؤولية السياسية عن الإخفاق، رغم أن الحكومة لم تُتهم بالمشاركة في الجريمة نفسها.
أحكام قضائية تاريخية
على مدى السنوات التالية، لجأت عائلات الضحايا إلى القضاء الهولندي للمطالبة بالمساءلة.
وفي سلسلة من الأحكام التاريخية، اعتبرت المحاكم الهولندية أن الدولة تتحمل مسؤولية قانونية جزئية عن مقتل عدد من الرجال الذين كانوا داخل القاعدة الهولندية أو في محيطها عندما جرى تسليمهم للقوات الصربية، معتبرة أن الجنود الهولنديين كان ينبغي أن يدركوا أنهم يواجهون خطراً حقيقياً بالقتل إذا أُجبروا على مغادرة القاعدة.
ومع ذلك، رفضت المحاكم تحميل هولندا المسؤولية الكاملة عن جميع ضحايا المجزرة، معتبرة أن القرار النهائي بارتكاب عمليات القتل كان بيد القوات الصربية البوسنية.
اعتذار رسمي ونقاش لم ينتهِ
في عام 2022، قدم رئيس الوزراء الهولندي آنذاك مارك روته اعتذاراً رسمياً إلى قدامى جنود الكتيبة الهولندية، معترفاً بأن الدولة أرسلتهم إلى مهمة مستحيلة دون دعم كافٍ.
إلا أن هذا الاعتذار أثار ردود فعل متباينة؛ إذ رحبت به أوساط عسكرية، بينما رأت منظمات تمثل الناجين وأسر الضحايا أن الاعتذار تجاهل بصورة كافية معاناة الضحايا، وطالبت بمزيد من الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية.
درس لا يزال حاضراً
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال سريبرينيتسا حاضرة في الوعي الأوروبي باعتبارها رمزاً لفشل المجتمع الدولي في منع الإبادة الجماعية، كما أصبحت نموذجاً يُستشهد به عند مناقشة حدود عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وأهمية امتلاك هذه القوات صلاحيات وإمكانات حقيقية لحماية المدنيين في مناطق النزاعات.
وبالنسبة لهولندا، لم تعد سريبرينيتسا مجرد محطة في التاريخ العسكري، بل تحولت إلى قضية أخلاقية وسياسية وقانونية مستمرة، تُطرح في كل عام مع إحياء ذكرى الضحايا، وتُذكّر بأن حماية المدنيين لا تتحقق بالإعلانات الدولية وحدها، بل تتطلب إرادة سياسية، وقرارات حاسمة، وقدرة فعلية على التدخل عندما تكون الأرواح على المحك.
