القائمة

من نافذة القطار (1)

Linda Seleem 6 أيام مضت 0 2.8 ألف

بقلم د.اسامة احمد زارع

الرحلة التي لا نختار ركابها

تحرك القطار ببطء من محطة القاهرة، ثم بدأ يبتلع المسافة محطةً بعد أخرى.

جلست بجوار النافذة كعادتي، لكنني لم أكن أنظر إلى الطريق بقدر ما كنت أنظر إلى الناس.

طفل يلوح بيده لوالده على الرصيف…

أم تضم صغيرها كأنها تخشى أن تخطفه منها الحياة…

رجل يحمل حقيبة تبدو خفيفة، بينما يحمل على كتفيه ما لا تستطيع أي حقيبة أن تحمله من هموم.

وشاب ينظر من النافذة بعيدًا، وكأنه يبحث عن محطة لم يصل إليها بعد.

في تلك اللحظة أدركت أن القطار لا ينقل المسافرين فقط…

بل ينقل الحكايات.

وربما لهذا السبب أحببت القطار دائمًا…

لأنه يشبه الحياة أكثر مما يشبه السفر.

فالحياة، منذ لحظتها الأولى، ليست سوى رحلة.

نصعد إليها دون أن نستأذن، ونبدأ السير دون أن نعرف كم محطة تنتظرنا، أو من سيجلس إلى جوارنا، أو من سيغادر قبل أن نصل.

في كل عربة قصة…

وفي كل مقعد إنسان يحمل عالمًا كاملًا لا نراه.

هناك من يصعد إلى حياتك في محطة لم تكن تتوقعها، فيصبح جزءًا من أجمل أيامك.

وهناك من يجلس بجوارك رحلة طويلة، لكنه يظل غريبًا، كأن المسافات ليست بين المدن، بل بين القلوب.

وهناك من لا يمكث إلا دقائق…

لكنه يترك في روحك أثرًا يبقى سنوات.

عندها فهمت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول بقائه في حياتنا…

بل بعمق الأثر الذي يتركه خلفه.

ومع كل محطة…

يتغير الركاب.

ينزل أحدهم، ويصعد آخر.

يتبدل الوجوه، وتتغير المقاعد، لكن القطار لا يتوقف.

وهكذا العمر…

يرحل أشخاص كنا نظن أن الحياة لا تُكمل طريقها من دونهم، ثم نكتشف، رغم وجع الفراق، أن الرحلة لا تزال مستمرة.

ويبقى مقعد فارغ…

ليس لأن أحدًا لا يستطيع الجلوس عليه، بل لأن بعض الأشخاص يتركون في الأماكن أرواحهم، قبل أن يتركوها بأجسادهم.

ومن نافذة القطار تعلمت درسًا لن أنساه…

أن التعلق بالمحطات لا يجعل القطار يعود إليها.

فلا القطار يرجع إلى مدينة أحبها…

ولا الزمن يعود إلى لحظة تمنينا بقاءها.

الحياة لا تسير إلى الخلف.

ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن تفعله هو أن تعيش كل محطة وكأنها الوحيدة.

أن تقول الكلمة الطيبة قبل أن يفوت وقتها.

أن تعتذر قبل أن تصبح المسافات أطول من الاعتذار.

أن تُخبر من تحب أنهم كانوا نعمة، قبل أن ينزلوا في محطة لا تعرف بعدها كيف تصل إليهم.

ومع مرور الرحلة…

ستكتشف أن عدد الركاب الذين بدأوا معك يقل شيئًا فشيئًا.

بعضهم سبقك إلى محطته الأخيرة.

وبعضهم اختار طريقًا آخر.

وبعضهم ما زال يجلس إلى جوارك، يشاركك ضحكة عابرة، أو صمتًا مريحًا، أو دعاءً صادقًا، فتشعر أن الطريق أصبح أخف.

وعندما يصل القطار إلى آخر محطة…

سيحمل كل راكب حقيبته وينصرف.

لن يأخذ معه المقعد الذي جلس عليه.

ولا النافذة التي تأمل منها الطريق.

ولا عدد المحطات التي مر بها.

سيأخذ شيئًا واحدًا فقط…

الذكريات التي صنعها، والقلوب التي ترك فيها أثرًا.

لهذا…

وأنت في رحلتك، لا تنشغل بمن سبقك، ولا بمن تأخر عنك، ولا بمن غادر مقعده.

انشغل بأن تكون الرفيق الذي إذا نزل في محطته، قال من أكملوا الرحلة:

“مرَّ من هنا إنسان… وجعل الطريق أجمل.”

فكلنا نركب القطار نفسه…

لكن لكل واحد منا نافذته، ومقعده، ومحطاته، وحكايته.

وربما لا نستطيع أن نختار طول الرحلة…

لكننا نستطيع أن نختار الأثر الذي نتركه في قلوب من سافروا معنا.


🎫 تذكرة من نافذة القطار

لا تخشَ من الذين غادروا رحلتك… بل اخشَ أن تمر في حياة الناس دون أن تترك فيهم أثرًا طيبًا.

فالرحلات تنتهي… أما الذكريات الجميلة، فهي وحدها التي تواصل السفر.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *