القائمة

من ريادة أماني ألبرت إلى امتداد الجيل الجديد

غرفة الأخبار 4 أشهر مضت 0 1.8 ألف

كيف أعادت قراءة كتاب حديث اكتشاف مدرسة كاملة في تفكيك الشائعات في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة سلاحًا قائمًا بذاته، وتحولت فيه الشائعة من مجرد همس إجتماعي عابر إلى أداة استراتيجية ضمن ما يُعرف بحروب الجيل الرابع، يبرز الدور الحيوي للبحث الأكاديمي الجاد في تفكيك هذه الظاهرة وفهم آلياتها العميقة، فالمعركة في عصر الإعلام الرقمي لم تعد فقط حول من يمتلك القوة، بل حول من يمتلك القدرة على تشكيل الإدراك الجمعي وإعادة صياغة الوعي العام.

ومن بين الأصوات الأكاديمية التي اشتغلت مبكرًا على هذا الحقل المعرفي في العالم العربي، تبرز الدكتورة أماني ألبرت بوصفها واحدة من الباحثات اللواتي أدركن منذ سنوات طبيعة التحول الذي طرأ على مفهوم الصراع في العصر الحديث،فقد كرّست جانبًا كبيرًا من عملها الأكاديمي العلمي لدراسة الشائعات والأخبار الزائفة، ليس باعتبارها ظاهرة إعلامية فحسب، بل بوصفها جزءًا من منظومة التأثير المعرفي التي تستهدف المجتمعات في زمن الحروب غير التقليدية.

وقد انعكس هذا الإنشغال العلمي في عدد كبير من الأبحاث والدراسات والمقالات التي تناولت تأثير المعلومات المضللة في تشكيل الرأي العام، إضافة إلى كتابها المهم «حروب الجيل الرابع: دومينو الشائعات والأخبار الزائفة»، الذي يُعد من الأعمال العربية اللافتة في هذا المجال،ففي هذا العمل قدمت ألبرت قراءة تحليلية متماسكة لطبيعة الشائعة المعاصرة، موضحة كيف يمكن لخبر مُضلل واحد أن يتحول إلى سلسلة متتابعة من التأثيرات تشبه سقوط أحجار الدومينو، حيث تتوالى تداعياته داخل المجتمع إذا لم يُواجه بوعي نقدي وإدراك معرفي.

ولم تقتصر إسهامات أماني ألبرت على الجانب البحثي فحسب، بل امتدت إلى حضور أكاديمي مؤثر داخل المؤسسات\ التعليمية، حيث تدرجت في مواقع علمية وإدارية متعددة، وهو ما يعكس مسارًا مهنيًا امتزج فيه البحث العلمي بالممارسة الأكاديمية، وصولًا إلى موقعها الحالي في عمادة المعهد بالإسكندرية، حيث تواصل إسهامها في تطوير الدراسات الإعلامية المرتبطة بقضايا الوعي والمعلومة.

غير أن المثير في هذا الحقل المعرفي أن الأفكار المؤسسة فيه لا تتوقف عند حدود زمنها الأول، بل تمتد لتجد صداها في أعمال بحثية لاحقة تعيد قراءتها في سياقات جديدة،وهنا يلفت الانتباه كتاب «صناعة الأخبار الزائفة في عصر الرقمنة» للدكتور أسامة زارع، الذي يتناول الظاهرة من زاوية معاصرة ترتبط بالتحولات الرقمية المتسارعة. فالكتاب يقترب من موضوع الأخبار الزائفة بوصفه أحد أبرز تجليات البيئة الرقمية الحديثة، حيث لم تعد الشائعة تنتقل ببطء كما كان الحال في المجتمعات التقليدية، بل أصبحت تنتشر بسرعة غير مسبوقة عبر منصات التواصل الإجتماعي والخوارزميات الرقمية، لتتحول في بعض الأحيان إلى موجات واسعة من التأثير الإعلامي القادر على إعادة تشكيل الرأي العام في زمن قياسي.

غير أن اللافت في قراءة هذا العمل لا يقتصر على موضوعه، بل يمتد إلى ذلك الخيط الفكري الذي يمكن للقارئ أن يلمسه بينه وبين الأدبيات السابقة التي أسست لها أعمال الدكتورة أماني ألبرت في هذا المجال. ولعل المفارقة الجميلة هنا أن كتاب أسامة زارع نفسه كان سببًا مباشرًا في العودة إلى قراءتي لكتاب أماني ألبرت مرة أخرى بعد سنوات،فمع صدور كتابه في عام 2025، بدا وكأنه يدعو القارئ بصورة غير مباشرة إلى إعادة تأمل الجذور الأولى للفكرة التي تناولتها ألبرت في أعمالها السابقة.

وعند العودة إلى قراءة كتاب «حروب الجيل الرابع: دومينو الشائعات والأخبار الزائفة» بعد هذه السنوات، تتكشف ملامح تقاطع فكري لافت بين العملين، فالكثير من المفاهيم التي أرستها أماني ألبرت حول الشائعات بوصفها أداة من أدوات التأثير في حروب الجيل الرابع، تظهر في كتاب أسامة زارع ضمن إطار جديد يحاول قراءة الظاهرة داخل البيئة الرقمية المعاصرة، وكأن الفكرة ذاتها تواصل رحلتها عبر الزمن ومن التأصيل النظري العميق الذي قدمته أماني ألبرت، إلى محاولات القراءة التطبيقية التي يسعى إليها جيل أحدث من الباحثين في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.

وهنا يبدو المشهد أقرب إلى حوار معرفي غير مباشر بين جيلين من الباحثين، جيل وضع الأسس الفكرية لفهم الظاهرة، وجيل يسعى إلى تطوير هذه الرؤية في ضوء التحولات التقنية التي أعادت تشكيل المجال الإعلامي بالكامل. ففي الحقول العلمية الناضجة لا تتوقف الأفكار الكبرى عند أصحابها، بل تتحول إلى مدارس فكرية تمتد آثارها عبر الزمن، وما نشهده في دراسات الشائعات والأخبار الزائفة اليوم هو أحد أمثلة هذا الامتداد الطبيعي للفكرة العلمية حين تجد من يواصل التفكير فيها ويعيد قراءتها في سياقات جديدة. ومن هذا المنظور يمكن قراءة تجربة الدكتور أسامة زارع بوصفها امتدادًا بحثيًا لمسار فكري بدأ قبل سنوات مع أعمال رائدة مثل أعمال أماني ألبرت، حيث يعكس كتابه تأثرًا واضحًا بالإطار التحليلي الذي قدمته في دراساتها حول الشائعات بوصفها أداة من أدوات التأثير المعرفي.

إن التقاء الخبرة الأكاديمية المتراكمة مع الحماسة البحثية لدى الجيل الجديد من الباحثين يشكل دائمًا لحظة مهمة في تطور أي حقل معرفي،فالتخصصات التي تتعلق بتحليل الشائعات والأخبار الزائفة أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، في ظل عالم رقمي تتضاعف فيه سرعة انتشار المعلومات، وتتزايد فيه قدرة الأخبار الزائفة على اختراق المجتمعات.

ولهذا تبدو الحاجة إلى مزيد من الجهود البحثية المشتركة في هذا المجال أمرًا ضروريًا، ليس فقط لفهم الظاهرة، بل لبناء أدوات معرفية قادرة على مواجهتها،فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع الأخبار الزائفة، بل مع القدرة على بناء وعي نقدي قادر على كشفها قبل أن تتحول إلى حقائق بديلة داخل الإدراك الجمعي. وفي هذا السياق تظل التجربة العلمية للدكتورة أماني ألبرت واحدة من الركائز المهمة التي أسهمت في تأسيس هذا الحقل البحثي عربيًا، بينما تعكس الأعمال البحثية الجديدة التي تسير في الاتجاه ذاته حيوية هذا المجال واتساعه، وتؤكد أن الأفكار العميقة لا تموت، بل تستمر في الحياة عبر العقول التي تواصل التفكير فيها وتطويرها. وهكذا، وبين الريادة الأكاديمية والخطوات البحثية الجديدة، يتشكل مسار معرفي متكامل يسعى إلى فهم ظاهرة الشائعات والأخبار الزائفة في زمن أصبحت فيه المعلومة نفسها ساحة من ساحات الصراع المعاصر.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *