بعد المقال السابق الذي تناول فكرة أن الشرق الأوسط يعيش حالة “إدارة صراع” أكثر من كونه يسير نحو نهايات حاسمة، بدا واضحًا أن القارئ لم يعد يكتفي بفهم ما يحدث، بل يريد إجابة أكثر إلحاحًا، فإذا كانت المنطقة تُدار بهذه الطريقة المعقدة، فكيف يمكن الخروج من هذه الدائرة؟ وهل تملك دول المنطقة، خاصة الخليج والدول المتضررة، أي هامش حقيقي للفعل؟
الحقيقة أن فهم اللعبة هو الخطوة الأولى لكسرها، فالصراع في المنطقة ليس مجرد مواجهة بين أطراف متنازعة، بل هو شبكة معقدة من المصالح السياسية والإقتصادية والدينية والنفسية، حيث تلعب أطراف كبرى أدوارًا مباشرة وغير مباشرة، وتبقى دول المنطقة في كثير من الأحيان داخل معادلة رد الفعل لا الفعل.
أولاً: ماذا على دول الخليج أن تفعل؟
دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، تقف في قلب هذه المعادلة، فهي من جهة مستهدفة سياسيًا وأمنيًا من إيران، ومن جهة أخرى شريك استراتيجي للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لاعب إقتصادي عالمي.
الحل : هنا لا يكون فقط في التسلح، بل في إعادة تعريف الأمن،و
تقليل الإعتماد الكامل على الحماية الخارجية،من خلال بناء توازنات إقليمية مباشرة مع الخصوم بدل من الإكتفاء بالوسيط الدولي.
كما يلزمها تكثيف الإستثمار في الإقتصاد الداخلي والتكنولوجيا بدل استنزاف الموارد في سباق تسلح مفتوح ومطمع يعلو سقفه كل حرب.
والأهم هو توحيد الموقف الخليجي سياسيًا، لأن الإنقسام هو المدخل الأول للاختراق،بمعنى أخر أن الأمن الحقيقي ليس فقط في شراء السلاح، بل في تقليل الحاجة لإستخدامه.
ثانيًا: الدول المتضررة و كيف تخرج من دور “ساحة الصراع”؟
لبنان وفلسطين واليمن وسوريا والعراق تعاني من كونها تحولت إلى ساحات صراع بالوكالة،و التحدي هنا أصعب لكنه ليمستحيلًا.
الحل:
تقليل الإرتهان للخارج سواء كان لإيران أو غيرها وبناء مؤسسات دولة حقيقية لا ميليشيات، والمهم فصل القرار الوطني عن الصراع الإقليمي،ثم الأهم إعادة تعريف المقاومة بحيث لا تتحول إلى أداة في صراع دولي أكبر،لأن أخطر ما في هذه الدول ليس الصراع وحسب بل فقدان القرار المستقل.
ثالثًا: مصر والموقف العاطفي ،فحين تختلط السياسة بالمشاعر
الموقف المصري وهنا اتحدث كشعب مؤثر في إتخاذ القرارات، وكما هو واضح في الرأي العام، يعكس حالة إنسانية معقدة، فالشعب المصري يحمل تعاطفًا تاريخيًا عميقًا مع القضية الفلسطينية، وهو ما يجعل أي مواجهة مع إسرائيل تُقرأ أحيانًا بإعتبارها “انتقامًا مشروعًا”، حتى لو جاءت من طرف مثل إيران،
لكن هذا الموقف يحمل قدرًا من الخلط، لأن النظر إلى الصراع من زاوية دينية أو طائفية فقط ،كفكرة أن الشيعة كطائفة أقرب من عقيدة أخرى صنفت ذاتها عدو ابدي يتجاهل حقيقة أساسية:
فالسياسة لا تُدار بالعقيدة بل بالمصالح.
وإيران مثل إسرائيل، تتحرك وفق مصالحها الإستراتيجية، لا وفق إنتماء ديني مجرد،وإستخدام البعد الطائفي في الصراع هو أحد أخطر أدواته، لأنه يحوّل الصراع من سياسي قابل للحل إلى صراع هوياتي قابل للاستمرار.
رابعًا: البعد النفسي والديني وهو الوقود الخفي للصراع
ما يجعل الصراع في الشرق الأوسط مستمرًا ليس فقط السلاح أو السياسة، بل أيضًا النفس البشرية،فالخوف و الشعور بالتهديد، الرغبة في الانتقام، وكذلك والإنتماء الديني كلها عوامل يتم توظيفها بذكاء عندما يشعر المواطن أن هناك “عدوًا دائمًا”، يصبح أكثر استعدادًا لتقبل:
الإنفاق العسكري الضخم والتنازل عن بعض الحريات،ثم الإصطفاف خلف خطاب حاد.
وهنا يتحول الدين من عنصر قيمي إلى أداة تعبئة، وتتحول الطائفية إلى وقود للصراع وهذه أخطر نقطة، لأن الصراعات التي تُغذى نفسيًا ودينيًا تكون أطول عمرًا وأكثر تعقيدًا.
خامسًا: هل هناك مخرج حقيقي؟
الخروج من هذه الدائرة لا يحدث بقرار واحد، بل بتغيير في طريقة التفكير:
سواء من رد الفعل إلى الفعل،ومن التحالفات المؤقتة إلى الاستقلال النسبي،ومن الصراع المفتوح إلى التهدئة الذكية
،ثم من الخطاب العاطفي إلى التحليل الواقعي،والأهم إدراك أن كل طرف في هذه اللعبة يسعى لمصلحته، وليس لنصرة أحد.
الخلاصة
لا يعاني الشرق الأوسط من صراعات، بل من طريقة إدارة هذه الصراعات،وبينما تستفيد قوى كبرى من إستمرار التوتر، تبقى دول المنطقة أمام خيار صعب إما الإستمرار داخل اللعبة بشروط الآخرين، أو محاولة إعادة تعريف دورها داخلها.
وقد لا يكون الخروج الكامل ممكنًا في المدى القريب، لكن تقليل الخسائر، وإستعادة جزء من القرار، بكسر بعض قواعد اللعبة وكلها خطوات ممكنة،لأن أخطر ما في هذه المنطقة وأكرره كثيرا ليس وجود الصراع وحسب ،بل أن يقتنع كل معني إستحالة الهروب منه.
طالع المقال السابق:
