القائمة

الشرق الأوسط بين إدارة الصراع وإقتصاد الخوف| حين تتمصلح الحروب 

Linda Seleem 3 أشهر مضت 0 8.6 ألف

منذ بلوغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكم، بدا المشهد في الشرق الأوسط شديد التعقيد، بل ومتناقضًا في ظاهره الولايات المتحدة تبيع أسلحة بمئات المليارات لدول الخليج، وتفرض في الوقت نفسه عقوبات قاسية على إيران، وتقدم دعمًا عسكريًا وسياسيًا غير محدود إلى إسرائيل، بينما تستمر الحروب في اليمن وسوريا والعراق ولبنان دون حسم نهائي وهذا المشهد يطرح سؤالًا سياسيًا مهمًا: هل الهدف إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط، أم إدارتها بحيث تستمر دون أن تنتهي؟

في علم العلاقات الدولية، هناك مفهوم معروف يسمى “إدارة الصراع” وليس “حل الصراع”القوى الكبرى في كثير من الأحيان لا تسعى إلى إنهاء النزاعات بالكامل، لأن وجود صراع منخفض الشدة يحقق مصالح استراتيجية عديدة، أهمها بيع السلاح، والحفاظ على التحالفات العسكرية، وضمان الوجود العسكري في مناطق النفوذ، إضافة إلى التحكم في مصادر الطاقة والممرات البحرية،ومن هنا يمكن فهم جزء كبير من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، حيث يبقى التوتر قائمًا، لكن دون الوصول إلى حرب شاملة تقلب موازين القوى بالكامل.

إيران في هذه المعادلة تمثل ما يمكن تسميته سياسيًا “العدو الضروري”فمنذ تحولت إيران إلى خصم سياسي للولايات المتحدة، لم تتحول أبدًا  الحرب لمباشرة شاملة بين الطرفين، بل ظل الصراع في إطار العقوبات الإقتصادية، والتهديدات العسكرية، والحروب غير المباشرة، فوجود إيران كقوة معادية يبرر الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ويدفع دول المنطقة إلى شراء المزيد من السلاح، ويجعل إسرائيل الحليف الإستراتيجي الأهم للولايات المتحدة في المنطقة وبذلك تصبح إيران، رغم عدائها لأمريكا، جزءًا من معادلة التوازن الإقليمي، وليس مجرد عدو تقليدي.

الصراع بين إيران وإسرائيل تحديدًا يمثل نموذجًا لما يسمى بالحروب غير المباشرة أو حروب الوكالة، حيث لا تقع المواجهة الكبرى بين الدولتين مباشرة، بل عبر أطراف أخرى في المنطقة، مثل الصراع في لبنان وغزة وسوريا واليمن، حيث يظهر دور جماعة الحوثي في اليمن وغيرها من الفاعلين الإقليميين و هذا النوع من الحروب يستنزف المنطقة إقتصاديًا وبشريًا، لكنه لا يؤدي إلى حرب شاملة تنهي الصراع، بل يبقيه مشتعلاً بدرجة يمكن التحكم فيها.

لكن الصراع في الشرق الأوسط ليس سياسيًا وعسكريًا فقط، بل له أيضًا بعد نفسي وديني عميق،ففكرة “العدو” في المنطقة ليست مجرد مفهوم سياسي، بل جزء من الوعي الجمعي للشعوب؛ الخوف من إيران، الخوف من إسرائيل، و الخوف من الحروب الطائفية، الخوف من انهيار الدول وهذا الخوف المستمر يصنع ما يمكن تسميته “المجتمعات القلقة”، وهي مجتمعات تقبل التسلح والإنفاق العسكري والوجود الأجنبي لأنها تشعر دائمًا بوجود تهديد قريب. 

ومن هنا يتحول الخوف إلى أداة سياسية وإقتصادية في آن واحد، فيما يمكن تسميته “اقتصاد الخوف”، حيث كلما زاد التوتر، زادت صفقات السلاح، وزاد الإعتماد على الحماية الخارجية، وتعمقت التحالفات العسكرية.

أما البعد الديني، فهو الأخطر في الصراع، لأن الصراع عندما يتحول من صراع سياسي على النفوذ إلى صراع ديني أو مذهبي، يصبح أكثر قابلية للإستمرار  لأن الحروب السياسية يمكن التفاوض حولها، لكن الحروب العقائدية يصعب إنهاؤها بسهولة.

أما الصراع الإيراني الإسرائيلي مثلًا ليس فقط صراع نفوذ، بل يحمل بعدًا عقائديًا مرتبطًا بفكرة العداء لإسرائيل من جهة، وفكرة التهديد الوجودي من جهة أخرى، وهو ما يجعل الصراع يبدو وكأنه صراع لا يمكن إنهاؤه، بل فقط إدارته.

إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية أوسع، سنجد أن استمرار التوتر في الشرق الأوسط يفيد عدة أطراف دولية وإقليمية؛ الولايات المتحدة تستفيد من بيع السلاح وبقاء قواعدها العسكرية، وإسرائيل تستفيد من بقاء الخطر الإيراني الذي يبرر تفوقها العسكري، وإيران تستفيد من دورها الإقليمي وقيادتها لمحور المقاومة، بينما تستفيد شركات السلاح العالمية من سباق التسلح المستمر في المنطقة،و في المقابل يبقى الخاسر الأكبر هو دول الصراع نفسها، مثل اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين، إضافة إلى استنزاف الموارد الإقتصادية لدول المنطقة في صفقات السلاح بدلًا من التنمية.

ومنا هنا تأتي الخلاصة بأن الشرق الأوسط قد لا يكون مسرح مؤامرة واحدة كبرى كما يتخيل البعض، لكنه بالتأكيد ليس ساحة صراعات عشوائية بالكامل وكثير من الصراعات في المنطقة تبدو وكأنها صراعات “تُدار” أكثر مما تُحسم، لأن نهاية الصراع قد تضر بمصالح قوى دولية وإقليمية عديدة، فالحرب التي تنتهي تقلل بيع السلاح، والعدو الذي يسقط يقلل الحاجة إلى الحماية، والمنطقة التي تهدأ قد تصبح أكثر استقلالًا في قرارها السياسي.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *