مكناس بالمغرب | سعيد السبكي
كُنت أنوي الكتابة عن الفسيفساء وأسجل مُشاهداتي أثناء زيارتي لمدينة فاس المغربية وخاصة منطقة فاس القديمة لما لها من خصوصيات تاريخية وآثار شاهده على عصور ثقافية عريقة.
ولكن وأنا أتجول فى وسط مدينة مكناس وبالتحديد فى قلب المدينة بحي ” الحمرية ” الذي يُشبه الى حد كبير قاهرة مصر فى الستينيات، ساقتني الصُدفة لمشاهدة عُمال يعملوا بدقة فى واجهة مسجد اسمه ” طرفاية ” فى تزيين الحائط بالفسيفساء، لذلك وجدت انه من المُفيد تسليط الضوء على فن الفسيفساء بالمغرب، ولا مانع من تناوله مرة ثانية حينما اشرع فى مواصلة الكتابة عن مدينة فاس. “
-لا يزال ( المغرب بتزاوجه العربي الأمازيغي الإسلامي ) يُقدر حرفة صناعة الفسيفساء أو “الزليج البلدي” رغم مرور مئات السنين.- حيث انتشر في القرن الحادي عشر ) وطوره الفنانون المسلمون في زخرفة القصور والمساجد.وهو يمر بمراحل من الإعداد إلى التصنيع قبل الرسم والزخرفة في لوحات فنية.
الفسيفساء حرفة تاريخية تنبض بالحياة
وحتى اليوم ونحن فى نهاية عام 2021 نجد ان فن وحرفة الفسيفساء أو “الزليج البلدي” متربعا داخل الوجدان الجمعي للشعب المغربي، رغم مرور مئات السنين وظهور بدائل فنية جمالية أخرى في البلد العربي.
تحمل أرصفة الشوارع والميادين وجدران القصور والمساجد والمنازل والحمامات، أرثا تاريخيا بلمسات الفسيفساء، التي أضفت بجانب الجمال نوعا من الخصوصية المغربية لا تخطئها عين عشاق الفن الأصيل.
والفسيفساء المغربي، عبارة عن أشكال هندسية (مربعات أو مثلثات أو مستطيلات) من الصلصال يتم وضعها في الأفران ثم زخرفتها بألوان مختلفة، قبل أن يتم تقطيعها وتجميعها لتشكيل تحف فنية ذات رونق وجمال فريد.
وصناعة الفسيفساء، عملية فنية تتطلب مهارة ودقة متناهية في جميع المراحل، وهي حرفة تاريخية تتماشى مع كل العصور ويتوارثها الأجيال عبر الحقب الزمنية المختلفة.
حرفة تاريخية تتحدى الزمن
وجدير بالذكر ان ذلك الفن ينتشر فى ربوع مُدن المغرب، فنجد فى غالبية أطراف مُدن المغرب عمال في ورش تتحول مع مطلع كل صباح إلى خلية نحل لإبداع صناعة ورسم وزخرفة فن الفسيفساء. بين التقطيع والتلوين والتشكيل والزخرفة تصدح أصوات المطارق في أرجاء الورش، التي تبدع يوميا في عشرات القطع الفنية شديدة التميز والجمال.
أثناء مروري فى كثير من الأماكن بالمدن المغربية رأيت بعيني إن فن الفسيفساء لا يزال يتربع على عرش الفنون العربية في المغرب، إذ تزيين به القصور والمنازل والأسقف والنوافر والأرصفة وأحواض السباحة شاهدا على هذا الفن.
مراحل صناعة الفسيفساء
يتم استخراج الطين ثم العجن والحرق في الأفران، يليهما مرحلة الصباغة وثم الحرق مُجددا والفرز والتشكيل في قطع فنية على الأسطح والأسقف والجدران.
وتختلف الأدوات والألوان المستخدمة في صناعة الفسيفساء بحسب متطلبات العمل وأماكن التركيب والمستوى المطلوب في كل قطعة فنية”.
وبالرغم من جمال وإبداع فن الفسيفساء المغربي إلا أن الحرفة التاريخية تعاني العديد من التحديات من أجل البقاء، أبرزها مؤخرا تفشي فيروس كورونا الذي أدى إلى انخفاض معدل رواجها والإقبال عليها.
لقد انتشر فن الفسيفساء في القرن الحادي عشر الميلادي، واستخدمه الفنانون المسلمون في زخرفة وتزيين المساجد والقصور وخاصة في عصر الدولة الأموية.
ولكن بفضل بذل جهود أصحاب المهنة العريقة ودعم كثير من الإدارات في المملكة المغربية يبقى فن وصناعة الفسيفساء شامخ مثل تاريخ المغرب وثرواته الثقافية.
