كتب | سعيد السبكي
هو واحد ضمن سلسلة محلات التسوق الشيك فى كثير من المُدن الكُبرى بهولندا de Bijenkorf ” خلية النحل ” . . يوجد فى وسط مدينة لاهاي عاصمة هولندا السياسية ، فمنذ ان سكنت فى تلك المدينة التي يعرفها أهلها بإسم ” دينهاخ ” أحبها وأعيش فيها قرابة رُبع قرن من الزمان ، يحلو لي التجول فى منطقة ” وسط البلد ” . . ذلك الوصف الذى نعرفه فى بلد مولدي مصر ، خاصة فى القاهرة عاصمة المحروسة ، مع الفارق بين المدينتين فى كثير من الأشياء والاختلافات ، فى تنوع أنماط دورة الحياة اليومية للناس . . عدد السُكان . . الزحام . . المساحة الجغرافية .
لست هنا بصدد رصد وحصر مُقارنات ، لكن فقط ذكر بعض ملامح لما سيرد لاحقاً فى كتابي ” يوميات صحفي بهولندا ” الذى أحكي فيه مشاهد وذكريات فى البلد الذى أعيش فيه منذ بداية عام 1975 ، أى أكثر من 45 سنة حافلة بنجاحات وإخفاقات . . نعم هذه هي الحياة .
ستارة الغيوم تُغطى السماء وتتساقط المياه بغزارة شديدة ، الناس فى الشارع تبحث عن ملاجئ تحت أسقف المحلات ومداخلها وتحتمي بالحوائط ، بعض البشر يركض هنا وهناك ، فمنهم فى حالة شجار مع المظلات التى تتعثر عملية فتحها بسهولة ، خاصة بعض أصحاب البشرة الخمرية والسمراء القادمين من بلاد مُشمسة لا تعرف المطر الا فترات زمنية قليلة على مدار العام ، فهم ذوات أصول غير هولندية ، وآخرين فتحوا مظلاتهم بسرعة ميسورة ، كأنهم جنود فى ساحة حرب تدربوا آلافات المرات على خوض معارك المطر .
على الرغم من الإجراءات الإحترازية المفروضة بسبب فيروس ” كوفيد 19 ” فى زمن جائحة كورونا ، لم يلتزم مُعظم الناس بإرشادات التباعد الإجتماعى مسافة متر ونصف ، فكادت بعض الأجساد تتلاصق فيما يُشبه الحميمية المفقودة . . . ؟!.
يا إلهي . . وأنا أتابع المشاهد الحية دارت فى ذهني أفكار إقتحمت رأسي لدقائق ، فسألت نفسي بصمت : هل أنا سيئ الظن؟ . . تمكنت من طردها وتابعت سيري مُجيباً أيضاً فى صمت : لا . . لا . . ليس كذلك . . انهم وهن يختبئون فقط من بلولة المطر .
لحظات قليلة ولم يبق فى الشارع المؤدي لخلية النحل الا اثار قليلة من مياه المطر الغزير الذى تسرب فى المزاريب ، غادرت السُحب والغيوم السماء ، وطلت الشمس على إستحياء ، فانعكست أشعتها على الأرض وكونت لوحات بلورية ملونة أشبه بألوان الطيف .
أغلق الناس المظلات وتباعدت أجساد البشر الغرباء ، عدا ثنائيات مألوفة المشاهد فى الشارع الهولندي ، فهذا يتأبط خصرها وأخرى تشبك يدها فى يده ، وهي مناظر حية لا تفرق بين شباب فى مُقتبل العمر العنفوانية ، أو كبار السن من أهل هولندا الأصليين ، فمُمارستهم لحُرياتهم تتعدى أكثر من ذلك بكثير ، فلا قبلات ساخنة ولا أحضان يُعتبر ” فعل فاضح فى الطريق العام ” ، ذلك التجريم القانوني فى البلاد العربية ، أما خلف الأبواب المغلقة يمكن قول الكثير بلا حرج .
لفت انتباهي شاب أسمر نحيل الجسم يقف أمام تمثال ” المُحجبتان ” فى الشارع المؤدي لمحل خلية النحل ، ذلك العمل الفني الذى يُعتبر تكريماً للمرأة المُحجبة ،

تمثال المحجبتان
وانفتاحًا على الثقافات الأخرى بدون تمييز أو عنصرية ضد الإسلام ، أو هكذا يروق الترويج لمجتمع سلام وتسامح .
كان برفقة الشاب الأسمر ذو السحنة الشرق أوسطية فتاة شقراء ممشوقة القوام مُنسدلة الشعر بلون ذهبي طويل يُداعب كتفيها ، وقد بدى من اشارات يدها حركات توضح انها تشرح له شيء ما عن التمثال ، لكن تصرفاته لم تعكس إهتمام ، فقد ظهر غير مُكترث لكلامها ، وفى أزمان قصيرة مُتلاحقة يضمها ويُقبلها بحرارة قد تصل للسخونة ، لدرجة ان المشهد أصبح مُلفتاً لبعض المارة ، حيث مرور فتيات ونساء مُجبات بهذا الشارع على مقربة من تمثال المُحجبتان ، ومنهم من أمسك بهاتفه يلتقط صور خلسة لمشاهد ربما أوضحت مُفارقات ثقافية .
استأنفت طريقي بعد عودة غزارة المطر من جديد ، فأسرعت أنجو بنفسي من بلولتها حيث لم تكن معي مظلة تحميني ، ولم يعد لى مزيد من الرغبة فى مُتابعة ما يدور فى الشارع ، كما انى اعرف تمثال المُحجبتان الذى أشاهده كلما ذهبت الى وسط المدينة ، وقلت فى نفسي اذهب للقاء صديقي فقد اتفقنا على احتساء القهوة فى كافتيريا خلية النحل .
جلست أنتظر صديقي واقتحمت ذهني ذاكرة ما شاهدته وأنا فى طريقي فاسترجعتها ، وأمسكت بهاتفي أبحث عن خبر كنت كتبته عن تمثال المُحجبتان فى 11 اكتوبر 2017 ، أعدت قراءته كان بعنوان :
( الحجاب في هولندا .. بين منح الدولة ومنع المؤسسات ) . .
فتح تمثال لفتيات مُحجبات أمام مبنى بلدية “لاهاي” بهولندا، الجدل أمام منح البلاد لحُرية ارتداء الحجاب من عدمه، في حين تمنع بعض المؤسسات وأرباب العمل المُحجبات من العمل.
يقول خبراء الاجتماع، إن مُجتمع هولندا يجمع كثير من المُتناقضات، ليست كلها مُسيئة، ولا يُمكن وصفها بالحميدة، لكنها نوع من التنوع والتعدُد الثقافي ، ويؤكد خبراء علوم النفس والاجتماع أن سياسة هولندا قائمة على عدم منح الفُرص لحدوث صدامات بين شرائح المُجتمع المُختلفة، إيمانًا بأن صدام الحضارات يؤدي لعدم الاستقرار ويضرب السلام الاجتماعي في مقتل، فضلًا عن أن القوانين الهولندية تنص على استخدام المواطن لحُريته دون أن يُسبب ضرر عام أو خاص للآخرين.
إلا أن واحدة من المُتناقضات هي أن هولندا بلدة مُتسامحة تمنح حُرية ارتداء الحجاب، بينما بعض المؤسسات وأرباب العمل تمنع تشغيل الفتيات المُحجبات.
بينما أستغرق فى قراءة الخبر شاهدت فتاة شقراء وقد باغتت رجلاً فاتح البشرة ، لكن واضح من وجهه أنه عربي الأصل ، تخاطبه بصوت مسموع بلهجة آمرة وكأنه ارتكب جريمة – اتضح بعدها انها مُديرة كافتيريا خلية النحل – ، تطلب منه مُغادرة المقهي فوراً دون ان يتفوه بكلمة ، ودار نقاش بينهم يسألها عن السبب ، فأجابته لأنه يجلس دون شراء ما تبيعه الكافتيريا .
سمعته يقول لها بهدوء انه ينتظر صديق على وصول وقد إنشغل بقراء كتاب معه ، لم ترغب الشقراء فى الاستماع لما قاله أو تتفهمه ، وبلهجة عُنصرية هددت بطلب الشرطة لإخراجه من المقهى ، واستدعت رجل الأمن الداخلي أسمر اللون مُلتحي عرفت فيما بعد انه ” مغربي ” سرعان ما ضم صوته اليها لمُساندتها ودعم طلبها العُنصري لإخراج الرجل ، الذى كان يُصر على موقفه الرافض لمُغادرة المقهى ، لأنه لم يفعل اى شيئ مُخالف للقوانين أو حتى الآداب العامة .
بينما يرفض الرجل طلبها مُغادرة المقهى جاء صديقه الذى كان ينتظره ، واصطحبه بعد سمعت قوله له انه على حق ، ولكن دعنا ننهي الموقف حفاظاً على وقتنا ، وعدم الدخول فى جدل بدى عقيماً .
