القائمة

لحظة فرص جديدة أمام الديمقراطيات في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية

سعيد السبكي 10 ساعات مضت 0 3.1 ألف

لاهاي – تقرير إخباري

تثير التحولات المُتسارعة في النظام الدولي، وتراجع الدور التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الرئيسية الداعمة للنظام العالمي القائم على القواعد، أسئلة متزايدة داخل أوروبا وعدد من الديمقراطيات الغربية حول مستقبل التحالفات الدولية ومستقبل الديمقراطية نفسها.

في تحليل نشرته مجلة «دي خروين أمستردامر» الهولندية في 23 سبتمبر 2026، تحت عنوان «لحظة فرص»، يُناقش الكاتب ” جون كين ” التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وانعكاساتها على الديمقراطيات التي ارتبط أمنها واقتصادها وسياساتها الخارجية لعقود طويلة بالولايات المتحدة.

ويرى الكاتب أن صورة الولايات المتحدة باعتبارها نموذجًا للديمقراطية الليبرالية، والتي بلغت ذروتها خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتغيرات كبيرة، في ظل تصاعد الانتقادات المتعلقة بالمال في السياسة، والعنف المسلح، والتفاوت الاجتماعي، وأداء المؤسسات، وتصاعد نفوذ التيارات السياسية التي تشكك في بعض مبادئ الديمقراطية التقليدية.

تصاعد الجدل حول مستقبل الديمقراطية الأمريكية

كما يُشير التقرير إلى أن بعض الأصوات داخل التيار المحافظ الأمريكي الجديد أصبحت أكثر تشككًا في المؤسسات الديمقراطية التقليدية.

وينقل عن كيرتس يارفين، أحد منظري تيار «ماجا»، دعوته إلى استخدام الحركة الجماهيرية للوصول إلى السلطة ثم تركيزها في يد القيادة. كما يشير إلى مواقف للملياردير بيتر ثيل، الذي سبق أن انتقد الديمقراطية واعتبر أن توسيع قاعدة المشاركة السياسية قد يفرض قيودًا على الرأسمالية والابتكار.

ويقول التقرير إن هذه المواقف تتزامن مع سياسات وإجراءات مثيرة للجدل، من بينها توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وإعادة النظر في أدوار مؤسسات الرقابة، والتعامل الصارم مع الهجرة، وتقليص أو تجميد بعض البرامج الحكومية في مجالات البحث والتعليم والمساعدات الخارجية.

ويعتبر الكاتب أن هذا التحول يطرح سؤالًا أوسع حول العلاقة بين القوة السياسية والمؤسسات الديمقراطية، خصوصًا عندما تصبح السلطة التنفيذية أكثر اعتمادًا على القرارات الرئاسية وأقل اعتمادًا على التوافق المؤسسي.

القوة العسكرية الأمريكية في قلب الجدل

ويتناول التقرير أيضًا الدور العسكري الأمريكي على المستوى الدولي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من القواعد العسكرية حول العالم، ويقدر عددها بنحو 800 قاعدة في ما لا يقل عن 75 دولة.

وبحسب الأرقام التي يستند إليها المقال، تبلغ النفقات العسكرية الأمريكية مستويات تفوق بكثير إنفاق الصين، كما ظلت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية من أكبر مصدري الأسلحة في العالم.

ويربط الكاتب بين الانتشار العسكري الأمريكي وبين تاريخ طويل من التدخلات العسكرية والسياسية الخارجية، مشيرًا إلى تدخلات أمريكية عديدة منذ تأسيس الجمهورية، وإلى عمليات سرية وانقلابات ودعم لحكومات وقوى سياسية في مناطق مختلفة من العالم.

ويستعرض التقرير تجارب العراق وأفغانستان وفيتنام وغيرها، باعتبارها أمثلة على الصعوبات التي واجهت الولايات المتحدة في تحقيق أهداف سياسية مستقرة من خلال القوة العسكرية.

العقوبات وإعادة تشكيل النظام المالي العالمي

ومن بين القضايا التي يركز عليها التقرير تأثير العقوبات الاقتصادية الأمريكية على الدول المستهدفة.

ويشير الكاتب إلى أن العقوبات المفروضة على إيران دفعت طهران إلى تطوير واستخدام قنوات مالية بديلة، بينها العملات المشفرة وشبكات «الحوالة» والمقايضة، بما يعكس – وفق التحليل – اتجاهًا نحو بناء شبكات اقتصادية ومالية تستطيع العمل بدرجات أكبر من الاستقلال عن النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

ويرى التقرير أن هذه التطورات قد تساهم على المدى الطويل في إعادة تشكيل خريطة العلاقات الاقتصادية الدولية.

الصين وصعود مفهوم «السلام المسلح»

في المقابل، يتناول المقال تنامي القوة العسكرية الصينية، مشيرًا إلى أن الصين تمتلك أكبر جيش دائم في العالم، إلى جانب تطوير قدراتها النووية والغواصات والتكنولوجيا العسكرية.

فى ذات الوقت يرى الكاتب أن النهج الصيني في إدارة الصراعات يختلف في بعض جوانبه عن النموذج الأمريكي، إذ يركز بدرجة أكبر على الصبر والردع والدبلوماسية وإطالة أمد المنافسة الاستراتيجية بدلًا من الدخول المباشر في حروب طويلة.

ويستشهد المقال بالمفهوم الصيني المعروف بـ«وو وي»، أي عدم التسرع في الفعل، باعتباره جزءًا من تصور استراتيجي يقوم على انتظار اللحظة المناسبة وإضعاف الخصم تدريجيًا بدلًا من الاعتماد على المواجهة المباشرة.

أوروبا أمام مرحلة جديدة

ويضع التقرير الدول الأوروبية، ومن بينها هولندا وفرنسا وألمانيا، في قلب التحولات الجديدة.

فمع تغير الأولويات الأمريكية وتزايد التركيز على شعار «أمريكا أولًا»، تواجه الدول الأوروبية أسئلة متعلقة بقدرتها على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها واقتصادها، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على المظلة الأمريكية.

ويشير التقرير إلى أن بعض الدول بدأت بالفعل في زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع دول خارج الولايات المتحدة.

كما يشير إلى أن كندا وألمانيا واليابان وإيطاليا والهند ودولًا أخرى بدأت، بدرجات متفاوتة، في البحث عن مساحات أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية.

تغير في المواقف الشعبية تجاه الولايات المتحدة

ويستند المقال إلى نتائج استطلاع شمل 24 دولة في منتصف عام 2025، ويشير إلى تراجع النظرة الإيجابية إلى الدور الأمريكي في العالم.

ووفق الأرقام التي يوردها التقرير، فإن أقل من نصف المشاركين كانت لديهم نظرة إيجابية تجاه دور الولايات المتحدة عالميًا، بينما وصلت المواقف السلبية إلى مستويات مرتفعة في عدد من الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية.

ويذكر التقرير أن ثمانية من كل عشرة مواطنين في السويد كانوا يحملون نظرة سلبية تجاه الولايات المتحدة، فيما تجاوزت النسبة 60 في المائة في كل من المكسيك وكندا، كما أشار إلى وجود غالبية ذات موقف سلبي في دول بينها أستراليا وفرنسا وبولندا وألمانيا وهولندا وإسبانيا.

وفي جنوب أفريقيا وغانا، يشير التقرير إلى أن النظرة إلى الصين أصبحت أكثر إيجابية من النظرة إلى الولايات المتحدة.

بين الانتظار وإعادة التموضع

ويصنف التحليل مواقف الديمقراطيات المختلفة تجاه التحولات الأمريكية إلى عدة اتجاهات.

فبعض الحكومات لا تزال متمسكة بتحالفاتها مع واشنطن وتعتبر العلاقة الأمريكية عنصرًا أساسيًا في أمنها القومي، كما هو الحال بالنسبة لأستراليا، التي أكد وزير دفاعها استمرار أهمية التحالف مع الولايات المتحدة.

في المقابل، تتجه دول أخرى إلى إعادة حساباتها تدريجيًا.

ويذكر التقرير أن إيطاليا رفضت في إحدى الحالات السماح لطائرات عسكرية أمريكية بالتزود بالوقود في صقلية، بينما عززت الدنمارك تعاونها مع عدد من الدول الأوروبية في منطقة القطب الشمالي.

كما يشير إلى أن الهند تعمل على توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا، بالتزامن مع خلافات تجارية مع واشنطن.

البحث عن شركاء جُدد

ويشير التقرير إلى أن التحولات الجارية دفعت عددًا من الدول إلى تنويع شراكاتها التجارية والعسكرية.

وتسعى كندا، على سبيل المثال، إلى توسيع علاقاتها مع أوروبا والصين والهند ودول أخرى، فيما تبحث ألمانيا والاتحاد الأوروبي عن ترتيبات جديدة مع الصين.

كما بدأت اليابان في اتباع سياسة أمنية أكثر استقلالًا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بينما أبرمت تشيلي اتفاقًا تجاريًا مع الاتحاد الأوروبي.

ويعتبر التقرير أن هذه التحركات لا تعني بالضرورة القطيعة مع الولايات المتحدة، لكنها تعكس اتجاهًا متزايدًا نحو تنويع الخيارات وعدم الاعتماد على قوة دولية واحدة.

السؤال الأكبر: هل تحتاج الديمقراطيات إلى «إعادة تأسيس» استقلالها؟

ويطرح الكاتب مفهوم «دكولونيالية الديمقراطية» أو «إنهاء استعمار الديمقراطية» لوصف المرحلة التي يرى أنها تفرض على الدول التي ارتبطت طويلًا بالولايات المتحدة إعادة التفكير في اعتمادها السياسي والاقتصادي والأمني على واشنطن.

ولا يقتصر الأمر، بحسب التحليل، على العلاقات العسكرية أو التجارية، وإنما يمتد إلى الأفكار والمفاهيم التي تشكلت خلال عقود من الهيمنة الأمريكية.

ويرى الكاتب أن الديمقراطيات الأوروبية والغربية مطالبة بتطوير شبكات جديدة من التعاون تشمل المدن والأقاليم والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدولية، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي.

تجارب في تجديد المؤسسات الديمقراطية

ويستعرض التقرير عددًا من التجارب التي يعتبرها مؤشرات على قدرة المؤسسات الديمقراطية على مواجهة الأزمات.

ويشير إلى كوريا الجنوبية، حيث قام البرلمان بعزل رئيس بعد إعلان حالة الطوارئ العسكرية، كما يتناول إصلاحات قانونية في ويلز تتعلق بالمعلومات الكاذبة خلال الانتخابات وآليات محاسبة المسؤولين المنتخبين.

كما يشير إلى توسيع إسبانيا نطاق الحقوق المدنية لفئات من المهاجرين، وإلى ظهور مبادرات مدنية جديدة في أستراليا تحت شعار «استعادة الديمقراطية معًا».

وفي البرازيل، يستشهد التقرير بقرار المحكمة العليا في سبتمبر 2025 بإدانة الرئيس السابق جايير بولسونارو وأنصاره في قضية تتعلق بالتخطيط لانقلاب وإلغاء نتائج الانتخابات، وهي قضية أثارت جدلًا واسعًا في البلاد وخارجها.

مرحلة انتقالية في النظام الدولي

ويخلص التحليل إلى أن العالم يمر بمرحلة انتقالية طويلة قد لا تنتهي سريعًا بانهيار النظام الدولي القديم أو ظهور نظام بديل واضح.

وبدلًا من ذلك، قد يشهد العالم، وفق رؤية الكاتب، مراحل متعاقبة من إعادة التموضع والتحالفات الجديدة والتنافس الاقتصادي والعسكري والسياسي بين القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، تصبح الديمقراطيات الصغيرة والمتوسطة أمام تحديات جديدة تتعلق بأمنها واستقلال قرارها وقدرتها على الحفاظ على مؤسساتها الديمقراطية.

ويرى الكاتب أن تراجع الهيمنة الأمريكية لا يعني بالضرورة نهاية الديمقراطية الغربية، بل يمكن أن يدفع الدول إلى إعادة بناء مؤسساتها وتحالفاتها على أسس أكثر تنوعًا.

ويضع التقرير في نهاية المطاف مفهوم «التضامن بين المصابين بالصدمة» الذي طرحه الفيلسوف التشيكي يان باتوتشكا، باعتباره أحد المفاهيم التي يمكن أن تساعد الديمقراطيات على مواجهة مرحلة التحول.

ففي عالم تتراجع فيه قدرة قوة واحدة على فرض قواعدها، تصبح حماية المؤسسات الديمقراطية، واستقلال القضاء والإعلام، وحرية الانتخابات، وتوزيع السلطة، والتعاون بين الدول، قضايا تتجاوز حدود التحالفات التقليدية.

ويبقى السؤال المفتوح، وفق التقرير، هو ما إذا كانت الديمقراطيات التي اعتمدت طويلًا على المظلة الأمريكية ستتمكن من بناء قدر أكبر من الاستقلال السياسي والاستراتيجي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التعاون الدولي الذي تحتاج إليه لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والمناخية المتزايدة.

وفي عالم تتغير فيه موازين القوة، تبدو الديمقراطية أمام اختبار جديد: ليس فقط كيف تحافظ الدول عليها في مواجهة خصومها، وإنما كيف تعيد بناء مؤسساتها وقدرتها على اتخاذ القرار في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب.

كتب بواسطة

سعيد السبكي هو كاتب وصحفي وإعلامي مصري مقيم في هولندا، يشغل منصب رئيس تحرير شبكة "تايم نيوز بالعربي".

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *