مُفارقة من المُمكن أن تُثير التساؤلات عن هولندا التي تحمي حق المرأة في أن تختار مظهرها، مُطالبة في الوقت نفسه بأن تضمن ألا يتحول هذا المظهر إلى علامة تعريف تجعلها أكثر عرضة للاستهداف إذا تدهورت الأوضاع الاجتماعية.
وهنا لا نساوي تاريخيًا بين الحجاب الذي ترتديه المرأة المُسلمة باختيارها، وبين نجمة داود التي فرضتها الدولة النازية على اليهود كأداة اضطهاد وتمييز.
التشبيه هو نوع من التحذير المُبكر من خطورة العلامات المرئية عندما تتحول إلى أدوات تصنيف واستهداف لا باعتباره تطابُقًا تاريخيًا.
بقلم: سعيد السبكي
هناك أسئلة لا يجوز أن نطرحها بعد وقوع الكارثة، لأن السؤال بعد سقوط الضحايا يصبح أقرب إلى الرثاء منه إلى الصحافة. ومن بين هذه الأسئلة سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه يخفي خلفه قضية شديدة الحساسية: هل يمكن أن يتحول الحجاب والنقاب والزي الإسلامي، وهما في الأصل تعبير عن حرية دينية وشخصية، إلى علامة تعريف تجعل بعض النساء أكثر عرضة للاستهداف إذا انفلتت مشاعر الكراهية أو اندلعت فتنة اجتماعية؟ . .
السؤال ليس دعوة إلى منع الحجاب، ولا إلى التضييق على المُسلمات، ولا إلى التعامل مع لباس ديني باعتباره مُشكلة أمنية. بل العكس تمامًا. إن قيمة المجتمع الهولندي تكمن في أن المرأة المسلمة تستطيع، في نطاق القانون، أن ترتدي الحجاب وأن تعيش دينها وهويتها دون أن تضطر إلى التخلي عن شخصيتها كي تصبح مقبولة في المجال العام. وهذه إحدى أهم صور التسامح التي يجب الدفاع عنها.
لكن الدفاع عن الحُرية لا يعني إغلاق العين أمام المخاطر التي يمكن أن ترافقها. فالحرية التي لا تحمي أصحابها من العُنف تظل حرية تحتاج إلى منظومة حماية اجتماعية وأمنية وقانونية أكثر قوة. الحجاب بين الحرية والقابلية للتعرّف القانون الهولندي لا يحظر الحجاب العادي، بينما توجد منذ الأول من أغسطس 2019 قيود جزئية على تغطية الوجه في وسائل النقل العام وبعض المؤسسات الحكومية والتعليمية والصحية، حيث يجب أن يكون الوجه قابلًا للتعرّف عليه. وتشمل القيود النقاب والبرقع وأي لباس يحجب الوجه، ولا تشمل غطاء الرأس العادي.
وهنا تظهر مسألة مختلفة تمامًا. الحجاب لا يخفي المرأة؛ بل قد يجعلها أكثر وضوحًا بوصفها مُسلمة في نظر شخص يبحث عن “هدف” على أساس ديني أو عرقي. وهذا ليس اتهامًا للمُجتمع الهولندي، ولا حُكمًا مُسبقًا على الشارع الهولندي، وإنما سؤال احترازي ينبغي أن تطرحه المُجتمعات الديمقراطية قبل الأزمات، لا بعدها.
فالمرأة التي ترتدي الحجاب يمكن التعرف إليها في لحظات قليلة باعتبارها مسلمة، حتى لو لم يعرف أحد اسمها أو جنسيتها أو مواقفها السياسية. وفي الأوضاع الطبيعية، قد يكون هذا مجرد تعبير عن التنوع. أما في أوقات التوتر، فقد يتحول الاختلاف المرئي إلى هدف مرئي. وهنا يجب التوقف أمام التاريخ من أخطر الأخطاء الصحفية أن نستخدم التاريخ بطريقة عاطفية فتساوي بين أحداث ليست متطابقة.
النازيون لم يتركوا لليهود حرية اختيار نجمة داود؛ بل فرضوا عليهم علامة تمييز وإذلال واضطهاد، وكانت تلك السياسة جزءًا من منظومة أوسع من الإقصاء والملاحقة والقتل انتهت إلى المحرقة. أما المرأة المُسلمة التي ترتدي الحجاب اليوم في هولندا، فهي في الوضع الطبيعي تمارس حقًا دينيًا وشخصيًا في مُجتمع ديمقراطي. الفارق جوهري ولا يجوز طمسه.
لكن ثمة درسًا تاريخيًا أكثر عمقًا يمكن استخلاصه: عندما تصبح هوية مجموعة بشرية قابلة للتعرف عليها بصريًا، فإن درجة تعرض أفرادها للاستهداف يمكن أن تتغير جذريًا إذا تحولت الكراهية الاجتماعية إلى عُنف. وهنا لا يصبح السؤال: “هل الحجاب خطر؟” بل يصبح السؤال الأكثر دقة: هل نحن قادرون على ضمان ألا يتحول الحجاب إلى بطاقة تعريف يستغلها المتطرفون؟
اليمين المتطرف: الخطر ليس في كل اليمين ومن الضروري أيضًا ألا نقع في فخ التعميم. ليس كل من ينتمي إلى اليمين السياسي في هولندا مُتطرفًا، وليس كل من ينتقد الهجرة أو الإسلام يريد مُمارسة العُنف ضد المسلمين. لكن أجهزة الأمن الهولندية نفسها تتعامل مع التطرف اليميني باعتباره أحد مصادر التهديد. وفي تقريرها عن عام 2025، قالت إن التهديد اليميني المتطرف له جانب يتعلق بنشر الأفكار المتطرفة، وجانب آخر يتعلق بأن انتشار هذه الأفكار يمكن أن يوفر لبعض الأشخاص مبررًا لاستخدام العنف.
كما أشارت إلى أن التطبيع التدريجي للأفكار اليمينية المتطرفة يمكن أن يغذي الخوف والكراهية والعنصرية ويضر بالتلاحم الاجتماعي، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى حوادث عنف. وهذا هو بيت القصيد.
المشكلة لا تبدأ بالضرورة برصاصة. قد تبدأ بكلمة. ثم نكتة. ثم منشور على الإنترنت. ثم شيطنة جماعة كاملة. ثم تصوير امرأة محجبة باعتبارها “رمزًا” لمشكلة سياسية. ثم يأتي شخص يقرر أن من حقه أن يعاقبها في الشارع. هنا تتحول المسألة من حرية تعبير إلى تهديد مباشر للسلامة الشخصية. من “الاختلاف” إلى “الهدف” التاريخ الاجتماعي للعنف يعلمنا أن الجماعات لا تصبح أهدافًا بين ليلة وضحاها.
هناك دائمًا مرحلة تسبق العُنف: مرحلة صناعة الصورة النمطية. عندما يجري اختزال ملايين البشر في لباس أو دين أو أصل أو لغة، تصبح عملية تحويل الإنسان إلى “رمز” أسهل. والمرأة المحجبة قد تكون في هذه الحالة أكثر تعرضًا لهذه الآلية لأنها تحمل على جسدها علامة يمكن قراءتها بصريًا خلال ثوانٍ.
لكن المفارقة هنا قاسية: العلامة التي اختارتها المرأة تعبيرًا عن هويتها يمكن أن يحاول آخرون تحويلها إلى علامة لاستهدافها. وهنا تقع مسؤولية الدولة والمُجتمع. ليس المطلوب أن تطلب الدولة من المرأة المسلمة أن تخلع حجابها حتى تصبح “أكثر أمانًا”. ذلك سيكون انتصارًا للخوف على الحرية. المطلوب هو العكس: أن يصبح المجتمع أكثر أمانًا بحيث لا تضطر المرأة إلى التخلي عن حجابها كي تحمي نفسها.
وماذا عن النقاب؟ هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالحجاب الذي يترك الوجه مكشوفًا يختلف قانونيًا واجتماعيًا عن النقاب الذي يغطي الوجه. وقد اختار المشرّع الهولندي بالفعل تنظيم تغطية الوجه في أماكن مُحددة، استنادًا إلى اعتبارات تتعلق بالتعرّف والتواصل والأمن. ويشمل ذلك وسائل النقل العام وبعض المؤسسات الحكومية والتعليمية والصحية.
لكن النقاش حول النقاب لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول “حق المجتمع في رؤية المسلمة”، وإنما إلى نقاش أكثر دقة: متى تكون هناك حاجة موضوعية إلى رؤية الوجه، ومتى تصبح الرغبة في فرض نمط اجتماعي معين على الآخرين مجرد تضييق على الحرية الدينية؟ هذا هو الخط الذي يجب ألا يضيع.
تمثال “المحجبتين” في لاهاي… رمز للتسامح أم مرآة للقلق؟
وفي قلب لاهاي، العاصمة السياسية لهولندا، تكتسب صورة المرأة المحجبة معنى يتجاوز قطعة فنية أو تمثالًا في فضاء عام. وجود تمثيل بصري للمرأة المحجبة في المدينة التي تجتمع فيها الحكومة والبرلمان والسفارات يمكن قراءته باعتباره صورة من صور الاعتراف بالتعددية والتنوع. لكن يمكن أن يطرح أيضًا سؤالًا آخر: هل يمكن للرمز الذي يمثل التسامح اليوم أن يتحول غدًا، في نظر جماعة متطرفة، إلى رمز يستفزها؟ لا يعني ذلك أن التمثال مستهدف، ولا توجد لدينا أدلة تسمح بهذا الاستنتاج. لكن وظيفة الصحافة ليست انتظار الدليل على وقوع الخطر فقط؛ وإنما النظر أيضًا إلى الظروف التي يمكن أن تنتج الخطر.
ولهذا فإن التمثال يمكن أن يكون، في قراءة أولى، شاهدًا على هولندا المتعددة. وفي قراءة ثانية، تذكيرًا دائمًا بأن التعددية تحتاج إلى حماية. الخطر الحقيقي ليس في الحجاب علينا أن نقولها بوضوح: الحجاب ليس المُشكلة. والمسلمة المحجبة ليست مشكلة. والتنوع الديني ليس مشكلة. المشكلة تبدأ عندما يفقد المجتمع قدرته على رؤية الإنسان خلف الرمز. حين تصبح المرأة “محجبة” قبل أن تصبح “إنسانة”. وحين يصبح الرجل “مسلمًا” قبل أن يصبح “جارًا”. وحين يصبح المهاجر “أجنبيًا” قبل أن يصبح مواطنًا أو زميلًا أو صديقًا. وهنا تكمن المعركة الحقيقية للديمقراطية.
لا نريد هولندا خائفة من حجابها هولندا لا تحتاج إلى إزالة مظاهر التنوع من شوارعها كي تحافظ على أمنها. بل تحتاج إلى حماية هذا التنوع من الذين يريدون تحويله إلى سبب للكراهية. وهذه مسؤولية الشرطة، والقضاء، والإعلام، والمدرسة، والسياسيين، والمجتمع المدني، وقبل ذلك المواطن نفسه. وعندما تتعامل الدولة مع التطرف اليميني، فإن عليها ألا تنتظر انتقاله من الخطاب إلى الجريمة.
كما ينبغي ألا تتحول مُكافحة التطرف إلى مراقبة جماعية للمسلمين؛ فهولندا تواجه في الوقت نفسه تهديدات من مصادر متعددة، وتقرير AIVD لعام 2025 يتناول التطرف اليميني والتطرف الجهادي وغيره من أشكال التطرف باعتبارها تهديدات مختلفة يجب التعامل معها وفق القانون والأدلة.
الدرس الذي يجب أن نتعلمه قبل فوات الأوان لا أقول إن هولندا تسير نحو محرقة جديدة. ولا توجد في المعطيات المتاحة اليوم مبررات لمثل هذا الاستنتاج. لكنني أقول شيئًا أكثر بساطة وأكثر إلحاحًا: كل مجتمع ديمقراطي مطالب بأن يمنع الكراهية من الوصول إلى النقطة التي يصبح فيها الاختلاف البشري سببًا للعنف. والحجاب هنا ليس سوى اختبار. اختبار لقدرة هولندا على حماية امرأة اختارت أن تظهر هويتها الدينية في المجال العام.
فإذا كانت الديمقراطية تقول لها: “من حقك أن ترتدي ما تؤمنين به” فعليها أن تقول في الجملة نفسها: “ومن واجبنا أن نحميك من أن تتحولي بسبب هذا الاختيار إلى هدف للكراهية.” ذلك هو المعنى الحقيقي للتسامح. ليس أن نسمح للآخر بأن يعيش بيننا فحسب. بل أن نحمي حقه في أن يكون مختلفًا دون أن يدفع ثمن اختلافه من أمنه وسلامته.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأخطر هو: هل تستطيع المسلمة أن ترتدي حجابها في هولندا؟ السؤال الأخطر هو: هل ستظل قادرة على ارتدائه بأمان إذا مر المجتمع يومًا بفتنة كبرى؟ ذلك السؤال لا ينبغي أن ننتظر حتى تجيب عنه الشوارع. علينا أن نجيب عنه الآن.
هبيانات العمل الفني: اسم العمل الفني: “الصديقتان” (Vriendinnen) الفنانة: الفنانة والنحّاتة الهولندية توني فان دي فورست (Tony van de Vorst) سنة التنصيب: 2014 الموقع: شُيّد على إحدى القاعدة البيضاوية الشهيرة في شارع “خروتي ماركتسترات” (Grote Marktstraat) عند تقاطعه مع شارع “سبوي” (Spui) في قلب لاهاي، وذلك مقابل مبنى البلدية (Stadhuis) وعلى مقربة من مقر البرلمان. السياق والتفاصيل: ينتمي هذا التمثال المصنوع من البرونز الملون (ارتفاعه نحو 3 أمتار) إلى معرض الممشى الفني المفتوح (De Beeldengalerij) المصمم بواسطة الفنان “بيتر سترويكن” وتشرف عليه مؤسسة Stroom Den Haag. يُجسّد العمل فتاتين مسلمتين عصريتين ترتديان غطاء رأس (حجابًا ملونًا) وملابس حديثة، وتنظران معًا باهتمام إلى شاشة جهاز حاسوب لوحي (iPad) في مشهد يومي حميمي يعكس حياة الشارع والتنوع في هولندا المعاصرة.
