كتب : رئيس تحرير تايم نيوز أوروبا بالعربي – سعيد السبكي
هناك قاعدة بسيطة في الإعلام والسياسة تقول: إذا كنت واثقاً من حجتك، فلا تحتاج إلى أن ترفع صوتك.
ولهذا توقفت كثيراً أمام الطريقة التي تعامل بها بعض مُقدمي برامج «التوك شو» في مصر مع ما عُرف بـ«المؤتمر الوطني الأول للمُعارضة المصرية» الذي انعقد في لاهاي.
المشكلة، في رأيي، ليست في أن يختلف الإعلام المصري مع المؤتمر أو مع المُشاركين فيه. بل على العكس، من حق الإعلام أن يطرح الأسئلة الصعبة، وأن يفحص مصادر التمويل، وأن يناقش الأسماء والبرامج والأهداف، وأن يكشف أي معلومات غير صحيحة أو ادعاءات لا تستند إلى حقائق.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرد إلى صوت مرتفع، وهجوم شخصي، ومفردات انفعالية.
هنا تحديداً أقولها بصراحة: بعض هذا الأداء الإعلامي لم يخدم الدولة المصرية كما أراد أصحابه، وإنما ر بما خدم خصومها من حيث لا يقصدون.
فالمؤتمر الذي كان يمكن أن يظل خبراً محدوداً في دوائر المصريين في الخارج، وجد نفسه فجأة حاضراً على شاشات مصرية واسعة الانتشار. وأصبح اسمه متداولاً لدى جمهور أكبر، وربما دفع بعض المصريين الذين لم يسمعوا به أصلاً إلى البحث عنه ومتابعة ما قيل فيه.
وهذه ليست مسألة سياسية، وإنما قاعدة إعلامية معروفة: الهجوم الإعلامي المفرط قد يتحول أحياناً إلى إعلان مجاني عن الشيء الذي تهاجمه.
القائمون على المؤتمر أنفسهم قدموا في تصريحات منشورة خطاباً يقول إنهم يريدون طرح برامج وأفكار حول الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليم والصحة وإدارة الدولة، وطالبوا الجمهور بالحكم على ما يطرحونه.
فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نناقشهم في برامجهم؟ . . لماذا لا نأخذ كل بند مما طرحوه ونضعه أمام خبراء مصريين متخصصين؟
إذا تحدثوا عن الاقتصاد، فليجلس أمامهم اقتصاديون مصريون بالأرقام. وإذا تحدثوا عن الديون، فلتعرض الدولة حجم الدين وتكلفة خدمته وتطوراته.
وإذا تحدثوا عن الصحة، فلتُعرض أمام المشاهد خريطة ما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه. وإذا تحدثوا عن البنية الأساسية، فليُشرح للمواطن ماذا بُني، وكم تكلف، وما العائد المتوقع منه.
وإذا تحدثوا عن الحماية الاجتماعية، فلتخرج الأرقام الرسمية إلى الناس. هكذا يكون الرد. وليس بالصراخ.
الدولة لديها ما تقوله.. فلماذا لا تقوله جيداً؟ هنا أصل إلى النقطة الأهم، وربما الأكثر إزعاجاً.
قال لي زميل صحفي منذ فترة عبارة أجد نفسي متفقاً معها إلى حد بعيد: «الدولة المصرية لا تقدم نفسها للجماهير بشكل احترافي.»
وأظن أن هذه الجملة تستحق أن تكون موضوعاً لمؤتمر كامل.لأن مصر ليست دولة بلا إنجازات، كما أنها ليست دولة بلا مشكلات.
والإعلام المهني لا يُطلب منه أن يخفي المشكلات، ولا أن يحول كل مشروع إلى ملحمة، وإنما أن يضع الصورة كاملة أمام المواطن.
خذوا مثلاً برنامج «تكافل وكرامة».
الأرقام الرسمية المحدثة لوزارة التضامن الاجتماعي تشير إلى 4.7 مليون أسرة مستفيدة، بينما أعلنت الهيئة العامة للاستعلامات في أغسطس 2026 أن البرنامج يصل إلى نحو 17 مليون شخص، بميزانية سنوية تبلغ 54 مليار جنيه.
هذه أرقام ضخمة في دولة تواجه ضغوطاً اقتصادية ومالية كبيرة.
فلماذا لا يقدمها الإعلام المصري بصورة احترافية؟
لماذا لا نرى تحقيقات تلفزيونية تذهب إلى القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، وتلتقي بالأسر المستفيدة، وتسألها ماذا تغير في حياتها؟
ولماذا لا نسمع في الوقت نفسه عن المشكلات التي تواجه البرنامج، وكيف يتم ضبط الاستحقاق، وكيف تمنع الدولة التسرب أو الخطأ أو سوء الاستهداف؟
هذا هو الإعلام الذي يقنع. ليس أن تقول للمواطن: «الدولة تفعل الكثير». بل أن تريه ماذا تفعل، وأين، ولماذا، وكم تكلف، وماذا كانت النتيجة.
الإنجاز الذي لا يُشرح جيداً.. يصبح كأنه لم يحدث
مصر خلال السنوات الماضية شهدت مشروعات واسعة في الطرق والكباري والنقل والطاقة والموانئ والمدن الجديدة والبنية الأساسية وجذب الاستثمارات والشراكات الاقتصادية الدولية.
قد يختلف المصريون حول أولويات هذه المشروعات، أو تكلفتها، أو توقيتها، أو العائد منها. وهذا طبيعي.
لكن السؤال الإعلامي الصحيح ليس: هل نصفق أم نرفض؟
السؤال هو: ماذا حدث فعلاً؟ . . كم أنفقت الدولة؟ .. ماذا كان الوضع قبل المشروع؟ .. ماذا أصبح بعده؟
ما العائد الاقتصادي؟ كم فرصة العمل التي وفرها؟ ما نسبة التنفيذ؟
وما المشكلات التي ظهرت؟
عندما تقدم هذه المعلومات، يصبح المواطن قادراً على الحكم.
أما أن يظهر مذيع ويقول للمشاهد إن كل شيء عظيم، أو يظهر آخر ليقول إن كل شيء كارثي، فكلاهما يختصر الواقع اختصاراً يضر بالحقيقة.
المصريون في الخارج ليسوا جمهوراً يمكن استقطابه بالصوت العالي
وهنا أتحدث تحديداً عن المصريين في أوروبا.
المصري المقيم في هولندا أو ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا يعيش في بيئة إعلامية مفتوحة. يستطيع أن يشاهد القنوات المصرية، ويقرأ الصحافة الأوروبية، ويتابع وسائل التواصل الاجتماعي، ويستمع إلى المعارضة، ويعود إلى البيانات الرسمية، ثم يقارن.
ولذلك فإن التعامل معه بمنطق التخوين أو المزايدة الوطنية لن يكون بالضرورة هو الطريق الأكثر إقناعاً.
المصري في الخارج يحتاج إلى المعلومة، لا إلى المحاضرة.
وإذا أرادت الدولة أن تكسب احترامه، فعليها أن تحدثه بلغة المواطن، لا بلغة البيانات. قل له الحقيقة كاملة.
قل له أين نجحنا. وقل له أيضاً أين أخفقنا. اشرح له لماذا ارتفعت الأسعار. اشرح له لماذا زادت الديون.
اشرح له لماذا تنفذ الدولة مشروعاً معيناً. واشرح له ماذا ستفعل الدولة لمعالجة آثاره الجانبية. هنا فقط يبدأ الحوار الحقيقي.
لا تعطوا خصومكم ما لا يستطيعون صنعه بأنفسهم
من أخطر الأخطاء الإعلامية أن تمنح خصمك منصة أكبر من المنصة التي كان يستطيع الوصول إليها بنفسه.
وأعتقد أن بعض ما حدث في قضية مؤتمر لاهاي يستحق المراجعة المهنية الهادئة. ليس لأن المؤتمر يجب أن يُقبل أو يُرفض.
وليس لأن المعارضة يجب أن تُدعم أو تُهاجم. وإنما لأن طريقة التعامل الإعلامي مع الخصم جزء من إدارة الدولة لصورتها أمام مواطنيها والعالم.
إذا كان لدى الدولة معلومات تثبت خطأ ادعاءاتهم، فلتظهر المعلومات. إذا كانت لديها وثائق، فلتعرض الوثائق.
إذا كانت هناك شبهات حول تمويل أو علاقات أو أهداف غير معلنة، فلتُقدم الأدلة ويُترك للجمهور تقييمها.
أما الاتهام المجرد، مهما كان صوته مرتفعاً، فلن يكون أقوى من وثيقة واحدة.
مصر لا تحتاج «حنجورية».. مصر تحتاج صحافة محترفة
وهنا أقولها بوضوح، ومن واقع أكثر من نصف قرن في مهنة الصحافة: الإعلام المصري أكبر من أن يُختزل في بعض الأداء الحنجوري.
هذه المهنة لها تاريخ طويل في مصر.
كانت القاهرة عاصمة صحفية وإعلامية للعالم العربي، وخرج من مؤسساتها صحفيون ومفكرون ومذيعون صنعوا مدارس مهنية حقيقية.
ومن حق هذا التاريخ علينا أن نستعيد شيئاً من تلك المهنية. نحن لا نحتاج إلى مذيع يصرخ أكثر.
نحتاج إلى مذيع يسأل أفضل. لا نحتاج إلى مقدم برنامج يهاجم أكثر. نحتاج إلى صحفي يبحث أكثر.
لا نحتاج إلى خطاب يقول للمواطن: «صدقني». نحتاج إلى خطاب يقول له:
«هذه هي المعلومات.. وهذا هو المصدر.. وهذا ما حدث.. وهذا ما لم يحدث.. وأنت صاحب الحق في أن تحكم.»
تلك هي قوة الإعلام الحقيقي. والدولة التي تمتلك إنجازات حقيقية لا ينبغي أن تخاف من الأسئلة.
بل ينبغي أن تبحث عنها.
لأن الدولة القوية لا تحمي صورتها بإسكات الأصوات المختلفة، ولا بالدخول في معارك صاخبة مع كل منتقد.
الدولة القوية تحمي صورتها بالمعلومة الصحيحة، والشفافية، والإعلام المهني. أما الصراخ، فقد يملأ الاستوديو ضجيجاً لبعض الوقت. لكنه لا يبني اقتناعاً. وقد يحدث الأسوأ:
أن يتحول الصراخ ضد الخصم إلى أفضل دعاية مجانية له. وهنا، فإن مؤتمر لاهاي لم يكن القضية وحده.
القضية الحقيقية هي: كيف تقدم الدولة المصرية نفسها إلى مواطنيها؟ وهذا سؤال أكبر بكثير من مؤتمر عابر في مدينة أوروبية.
