القائمة

كلنا بسنت… صرخة لم يسمعها أحد

غرفة الأخبار 3 أشهر مضت 0 7.2 ألف

د.ماجدة محمود… تكتب

لم تكن بسنت سليمان مجرد اسم عابر على شاشة هاتف، ولا مجرد بث مباشر يمر بين مئات البثوث اليومية، كانت إنسانة من لحم ودم، تحمل وجعًا لم نره، وتخفي خلف كلماتها ما لم تستطع البوح به. في تلك اللحظات الأخيرة، وبينما كانت الكاميرا مفتوحة، لم يكن أحد يدرك أن النهاية تقترب، وأننا جميعًا على وشك أن نصبح شهودًا على قصة موجعة ستبقى في الذاكرة طويلًا.

سقوطها من شرفة شقتها في سموحة لم يكن مجرد حادث عابر، بل كان لحظة فاصلة كشفت هشاشة الروح الإنسانية حين تُترك وحيدة في مواجهة ضغوط لا تُحتمل. ساعة كاملة من البث كانت كافية لنرى إنسانة تحاول أن تتماسك، أن تتحدث، أن تُخرج ما بداخلها، وربما كانت تنتظر كلمة، رسالة، حضنًا افتراضيًا ينقذها من حافة الانهيار. لكن في عالم سريع وقاسٍ، تمر الصرخات أحيانًا دون أن يسمعها أحد.

ولم تكن بسنت حالة استثنائية، بل وجهًا واحدًا من وجع أكبر بكثير. هناك مئات بل آلاف النساء اللواتي يعشن نفس القصة بصمت، يعانين من النكران والجحود والخيانة، يحملن فوق أكتافهن مسؤوليات ثقيلة دون سند حقيقي، ولا يجدن مساحة للشكوى لأن المجتمع لا يرحم، ولا يغفر الضعف، ولا يتقبل حكايات الألم بسهولة. يتألمن في صمت لأن الكلام قد يُدان، ولأن الشكوى قد تُقابل بالسخرية أو اللوم بدل الاحتواء.

وفي وسط هذا كله، هناك رجال فقدوا معنى النخوة، منهم من يستغل ضعفها، ومنهم من يكذب ويتهرب، ومنهم من يلقي بالمسؤولية عليها ويمضي وكأن شيئًا لم يكن، تاركًا خلفه قلبًا مكسورًا وروحًا منهكة. وبين هذا وذاك، تبقى المرأة وحدها في مواجهة العالم، تقاوم، تتماسك، ثم تنهار بصمت لا يسمعه أحد.

قصة بسنت ليست مجرد ترند ولا مادة للحديث، بل مرآة قاسية لنا جميعًا. تضعنا أمام سؤال مؤلم: متى أصبحنا نرى الألم ولا نتحرك؟ متى اعتدنا على الحزن حتى صار خبرًا عاديًا؟ ومتى فقدنا القدرة على احتواء بعضنا البعض قبل أن يصل أي إنسان إلى لحظة اللاعودة؟

كلنا بسنت… لأن كل واحد فينا قد يكون يومًا في مكانها، أو قد يكون الشخص الوحيد القادر على إنقاذ “بسنت” أخرى دون أن يدري. الكلمة الطيبة، السؤال الصادق، الاهتمام الحقيقي، أشياء بسيطة لكنها قد تصنع الفارق بين الحياة والموت. لا أحد يعرف حجم المعركة التي يخوضها الآخرون في صمت، ولا أحد يدرك متى تكون جملة واحدة سببًا في النجاة.

وفي النهاية، لم تعد بسنت هنا لتروي قصتها، لكنها تركت لنا درسًا قاسيًا لا يجب أن ننساه. أن ننتبه، أن نحتوي، أن نقترب أكثر من بعضنا البعض قبل أن نفقد من نحب دون إنذار. لأن الندم بعد الرحيل لا يُعيد أحدًا، ولأن الصمت أحيانًا يكون أخطر من أي صرخة، ولأن وراء كل ابتسامة قد تكون حكاية وجع لم تُحكَ بعد، ولأننا إن لم نتعلم من وجعها، سنستيقظ يومًا على بسنت جديدة… ونكتب نفس الكلمات بحزن أكبر، ولكن بعد فوات الأوان

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *