كتب | سعيد السبكي
قمت ظهر يوم أمس الأحد 9 يوليو الجاري ببث رسالة فيديو عبر حسابي على تطبيق التيك توك بعنوان : إلى عرب هولندا صوتك في الإنتخابات ضرورى ومهم ناشدت فيه الجاليات العربية المشاركة فى الانتخابات البرلمانية المُقبلة، وقد حظيت أعداد مشاهدات الفيديو أكثر من 3 آلاف و122 اعجاب وحوالي 30 تعليق كان من أهمها تساؤلات عن برامج الأحزاب الهولندية التى تستحق التصويت عليها وأي منها أكثر اعتدالًا من غيرها.
لمن أعطي صوتي الانتخابي في هولندا ولماذا؟ سؤال مشروع.
من المفيد توضيح أن ” اليسار السياسي “ في كثير من مناطق الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي هي – أرض – أصول كثير من عرب أوروبا وهولندا يختلف عن اليسار هنا في أوروبا وهولندا، أما إجابة السؤال عن لم تعطي صوتك الانتخابي فهذا أمر شخصي بالدرجة الأولى، ولكن نلفت الانتباه إلى أنه يتعين القراءة الجيدة لخريطة الأحزاب السياسية الهولندية اعتبارا من الآن وحتى الساعات التي تسبق اجراء الانتخابات البرلمانية المتوقع اجراؤها فى نوفمبر القادم.
يمكنك منح صوتك الإنتخابي في هولندا حسب البرنامج الإنتخابي وليس الإنتماء الآيديولوجي،اليمين واليسار في هولندا مختلفان من حيث التكوين العضوي والوظيفي والقناعات الآيدولوجية عن مسميات يمين ويسار لدينا في الشرق.
في الشرق اليمين يرتبط عادة بالدين والتدين والدولة الدينية أما اليسار فعادة ما يقترن بالعلمانية والشيوعية والمعسكر الشرقي (البلوريتاريا، وإتحاد عمال العالم) أي هو جزء من تجمع الفقراء الكوني في مقابل الأغنياء، هذا في معناه الأكثر حدة ووضوحاً، طبعاً هناك مساحات أوسع للمصطلح بالذات بعد انحسار المعسكر الشرقي.
في الغرب لا معنى واقعي “اجتماعي” للحديث عن دولة دينية ولا الحديث عن شيوعية كون هناك دولة راسخة قائمة بالفعل (متحققة في عين الوجود) هي دولة المواطنة (ديمقراطية/علمانية) ودولة السوق الحر (رأسمالية/اقتصاد مُختلط).
ولا يوجد صراع طبقات يقوم على أساس النشاط السياسي ولا كتل طائفية أو قبلية كما في الشرق، بل كل الأحزاب السياسية في الغرب تقوم في البدء على قناعة لا حياد عنها بالدولة القائمة فعلًا على المواطنة والسوق الحر (الدولة الأكثر حداثة مقارنة بالتاريخ البشري كله أو كما يقرها الاكاديميون ومنهم الماركسيون انفسهم)!.
وعليه يكون هناك هامش صغير للمناورة يلعب فيه الخصوم السياسيين بجميع أطيافهم الممكنة . ذلك الهامش يقوم على اساس الترتيبات الإقتصادية السائدة: الضرائب والمداخيل وترقية الإنتاج والضمانات الإجتماعية. وعليه فإن اليمين واليسار غالبًا لا يتمايزان أبدا في أشياء جوهرية فيصلية حيال السياسات الداخلية.
إذا لكل تلك الأسباب فالصراع لطيف يصل إلى حد كبير من الاستئناس إلا عندما يأتي الحديث عن مهددات للأمن الإجتماعي أو الإقتصادي وعندها فقط تتمايز الصفوف أحياناً بحدة ودائماً ما يبرز للعلن الدور السلبي للأجانب (المهاجرين) في البلد الأوروبي المحدد.
وغالباً ما تتبنى بعض الخطوط اليمينية التضييق القانوني “أو تعد به” على الهجرة والمهاجرين كي تكسب تعاطف المتضررين (في الحقيقة أو الوهم) من سكان
البلد الأصيلين.
في المقابل يقف اليسار علناً أو “صمتاً” مع المهاجرين كي يكسب أصواتهم الإنتخابية،وفي إطار كل هذا فإن السياسية الخارجية لليمين واليسار حيال المشرق شبه موحدة وليست ذات تمايز ذي بال وتختلف من وقت لآخر ومن مرحلة لمرحلة حسب دوائر المصالح الإقتصادية وحدها ومؤخراً الأمنية أيضاً وتلك السياسة لا تخضع لأي معايير آيدولوجية من شاكلة دين أو لا دين أو إشتراكية أو علمانية.
كل ذلك لا يهم اليسار الغربي ولا اليمين، فقط المُحددات العملية التي ذكرتها آنفا.
ما هي المرحلة المُقبلة بعد سقوط الحكومة الهولندية؟ . . وما هو شكل وتوجه الحكومة التي سيتم تشكيلها عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية؟ وما هي النتائج المتوقعة؟ وأي الأحزاب سيفوز بالأغلبية؟ . . أسئلة كثيرة تصدرت مُعظم وسائل الإعلام الهولندية خلال الأيام الماضية عقب فشل حكومة مارك روتا 4 وأطراف الائتلاف الحاكم في التوصل لاتفاق حول عدد من الملفات على رأسها الهجرة واللجوء.
فبعد سنة ونصف في الحكم انهار الائتلاف الحكومي في هولندا برئاسة رئيس الوزراء ” مارك روتا ” بسبب مسائل الهجرة ما سيؤدي إلى انتخابات مبكرة تبدو نتائجها غير أكيدة بالنسبة للبلاد وأوروبا.
تسعى هولندا على غرار العديد من الدول الأخرى في أوروبا إلى خفض معدلات الهجرة لديها وهذه المسألة سرعان ما سممت العلاقات بين الأحزاب الأربعة المُشاركة في الائتلاف الحكومي منذ كانون الثاني/يناير 2022، وهي حزب مارك روتا”حزب الشعب من أجل الحرية والديموقراطية” VVD الوسط-اليمين وحزب النداء الديموقراطي المسيحي CDA القريب منه عقائديا وحزب الديموقراطيين D66 (وَسَط يسار) والحزب الديموقراطي المسيحي.
وكانت البلاد قد شهدت السنة الماضية فضيحة كبرى ناجمة عن اكتظاظ مراكز استقبال المهاجرين ما اضطر مئات منهم إلى النوم في الشارع، وعن وفاة رضيع في الشهر الثالث في احد هذه المراكز في شهر أغسطس 2022. وعد روتا آنذاك بالتحرك لإنهاء “وضع مخجل”.
وكان رئيس الوزراء قد أثار الأسبوع الماضي مفاجأة بدعوته إلى تحديد سقف للاجئي الحرب الذين يمكن أن تستقبلهم بلاده شهريًا بعدد 200 لاجئ، ما أثار غضب شركائه في الائتلاف الحكومي.
اذا سقوط حكومة هولندا بسبب مِلَفّ اللجوء والهجرة مؤشر يستحق التوقف عنده ،ويؤكد من جديد أن قضية الأجانب سواء الجُدد أو المقيمين فى هولندا خاصة من أصول عربية وإسلامية تشغل ساسة هولندا بدرجات متفاوته سواء اليمين السياسي أو الوَسَط أو المتطرف، وهو ما يستوجب من الأقليات في هولندا إدراكه جيدا بأبعاده الحالية والمُستقبلية.
