القائمة

شفيقة الجزار… حين ترفع الكرمة تاجها لتكرّم امرأة صنعت من الضوء قدرها

غرفة الأخبار 7 أشهر مضت 0 7.1 ألف

ماجدة محمود تكتب

في مساء يقترب مثل نسمة دافئة من ذاكرة الزمن، تستعد مؤسسة الكرمة للتنمية الثقافية والاجتماعية لأن تمنح تكريمها الأرفع لاسم ليس عابرًا في سجل الإبداع العربي؛ اسمٍ يمضي بخفّة الشعر وعمق التجربة… شفيقة الجزار.
وفي يوم السبت ١٣ ديسمبر الجارى، ستقف الكرمة أمام امرأة لم تكن شاعرة فقط، بل كانت فصلًا كاملًا من حكاية المرأة السعودية، صوتًا يخرج من خلف الأسوار ليكتب حقه في الظهور.

لماذا التكريم الآن؟
لأن هناك لحظات تشعر فيها المؤسسات الثقافية أن الورد الذي أزهَرَ منذ نصف قرن لا ينبغي أن يُترك وحده.
ولأن الزمن، مهما تغيّر، يحتاج من يذكّره بأن البدايات صعبة، وأن الريادات تُبنى بالعناد، وأن هناك نساء مشين في الصحراء بأقدامهن وحدهن، ليفتحن الطرق التي يمشي عليها اليوم الجميع.
تكريم الكرمة ليس احتفاءً بإنسانة فقط، بل هو إعلان بأن التاريخ ما زال يحتفظ بأسماء تستحق أن تُستعاد، وأن الضوء يعرف طريقه دائمًا إلى صاحبه.

من هي شفيقة الجزار؟
امرأة تعلمت في زمن كان التعليم فيه حلمًا مؤجلًا للفتيات.
ابنة شاعرٍ كبير، عبد القادر الجزار، الذي آمن ببناته قبل أن يؤمن الناس بحق البنات في التعلم. وفي بيتٍ يسكنه الشعر، كبرت شفيقة وهي تسمع الأبيات قبل أن تتعلم الأبجدية، وتكتب القصيدة قبل أن تدرك أنها تنتمي إلى عالم الشعر.
من جدة إلى الرياض، ومن الرياض إلى القاهرة، كانت طفلة تحمل حلم والد يعرف تمامًا أن البنات قادرات… فكانت ضمن أول سعوديات يلتحقن بـ الكلية الأميركية للبنات في الخمسينيات؛ بداية زمنٍ جديد، وانعطافة جريئة في مجتمع يتشكل ببطء نحو التغيير.
كتبت باسم «سمراء الحجاز» كي تمرّ الكلمات بلا ضجيج، ثم أصدرت دواوينها التي حملت صوت امرأة تعرف ضعفها وقوتها، انكسارها وصلابتها، ومن بينها:
«أنا التي خلقت أنثى»، «نسائيات»، «دموع أنثى»، «أنا وحفيدي»…
واليوم تستعد لإصدار ديوانها السابع، وكأن الزمن ما زال قادرًا على أن يفتّح فيها نوافذ جديدة.
كانت تكتب نقدها بشغف الأم التي لا تقسو إلا لأنها تخاف على أبنائها، وكانت تكتب عن المرأة لأنها تعرف جيدًا ماذا يعني أن تكون امرأة وحيدة في السابعة والعشرين، مسؤولة عن أربعة أطفال، وقلب صلب لا يسمح له الانكسار أن يطول.
وفي الفن التشكيلي، وجدت شفيقة نفسها أمام عالم يشبه روحها.
الفن بالنسبة إليها ليس ممارسة، بل طريقة لالتقاط نبض الحياة…
إذ يمكن لثمرة جوز الهند أن تصبح عملًا فنيًا، ولجذع شجرة مقطوعة أن يتحول إلى حياة جديدة، وللسخرية أن تصبح قصيدة.
كما كانت رائدة من حيث لا تُعلن ذلك: درّبت أولى الفتيات السعوديات على الآلة الكاتبة، وأدخلت الملابس الجاهزة إلى السوق السعودية، وأسست جمعيات خيرية تُشبه قلبها، وتحمّل النساء قيمة العمل وحرية الاعتماد على الذات.
شفيقة الجزار ليست سيرة تُروى، بل صفحة تُضاء.
امرأة رأت الظلال فاكتشفت الضوء، ورأت القيود فكسرتها، ورأت النساء في صمت فقررت أن تصنع لهن صوتًا.
وفي هذا التكريم، لا تحتفي الكرمة باسمٍ كبير فقط، بل تحتفي بكل امرأة قاومت الزمن، وبكل شاعرة كتبت نفسها في زمنٍ لا يقرأ النساء، وبكل خطوة أولى تجعل الطريق ممكناً لخطوات تأتي بعدها.
وفي صباح ١٣ ديسمبر، حين ترفع الكرمة درعها، سيكون الأمر أشبه بعودة الحق إلى حضنه…
وبقولٍ واحدٍ يسمعه الجميع:
هناك نساء لا يمرّ الزمن عليهن… بل يقف احترامًا لهن

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *