كتب | سعيد السُبكي
خلال كثير من المناقشات التي تتعلق بمصر ودور المصريين في الخارج، تتكرر كلمات كبيرة رنانة عن الوطنية والانتماء والدفاع عن الوطن، لكن السؤال الأهم يظل دائمًا:
كيف تتحول الكلمات إلى عمل حقيقي مُنظم ومؤثر؟
تابعتُ مؤخرًا إحدى الندوات التي ناقشت “التحديات التي تواجه مصر ودور الجاليات المصرية بالخارج”، ورغم تقديري لكل ما طُرح من أفكار ونوايا طيبة، شعرتُ أن الحوار لم يصل بعد إلى الهدف الحقيقي المطلوب، وهو الانتقال من مشاهد العاطفة الوطنية والانفعال الحماسي إلى مرحلة التخطيط والعمل الاحترافي المدروس.
المشكلة التي نواجهها اليوم ليست في غياب الوطنية، فالمصري بطبيعته يحمل مشاعر الانتماء لبلده أينما كان، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ما يمكن أن نُطلق عليه “عشوائية العاطفة الوطنية”.
إذ لا يكفي أن نُحب مصر أو ندافع عنها بعفوية داخل المنتديات أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يعمل الطرف الآخر وفق خطط مدروسة، وخطاب إعلامي مُنظم، وشخصيات مُؤهلة تعرف جيدًا كيف تؤثر في الرأي العام الأوروبي، وكيف تُعيد تشكيل الصورة الذهنية للدول والشعوب.
ومن هنا، وإيمانًا مني بأهمية التخصص، أرى أن أحد أهم التحديات التي تواجه مصر في الخارج هو ملف الإعلام وتأثيره المباشر على صورة الدولة المصرية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات سياسية واقتصادية وثقافية وحتى اجتماعية.
للأسف، تعاني مصر أحيانًا من صور ذهنية مغلوطة في بعض وسائل الإعلام الأوروبية، حيث يتم تداول سرديات غير متوازنة عن المجتمع المصري والأوضاع الداخلية، وغالبًا ما يتم تقديم المشهد المصري بصورة انتقائية تفتقد إلى الفهم العميق لطبيعة المجتمع والدولة والتحديات الإقليمية المحيطة بها.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المهمة:
من المسؤول عن تصحيح هذه الصورة؟
وكيف يمكن أن يتم ذلك بصورة فعالة؟
ومن الذي يقوم بهذا الدور؟
وما هي الأدوات والوسائل القادرة على تحقيق هذا الهدف؟
هل توجد لدينا مؤسسات إعلامية مصرية بالخارج تعمل بشكل احترافي ومنظم ومستمر؟
هل نملك متحدثين متخصصين يفهمون العقلية الأوروبية ويجيدون لغة الحوار والإقناع؟
هل لدينا خطاب عقلاني هادئ يخاطب المجتمعات الغربية بلغتها السياسية والحقوقية والإعلامية؟
وهل نمتلك كوادر قادرة على بناء جسور تواصل حقيقية مع الصحافة ومراكز الأبحاث وصناع القرار في أوروبا؟
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الدفاع عن صورة أي دولة في الخارج لا يتم بالصوت المرتفع، ولا بالشعارات العاطفية، ولا بردود الأفعال الغاضبة، بل يحتاج إلى عمل مؤسسي طويل النفس، يعتمد على الخبرة والعلاقات العامة والإعلام الاحترافي، وعلى فهم دقيق لطريقة تفكير المجتمعات الغربية وآليات صناعة الرأي العام فيها.
كما أن دعم الأمن القومي المصري لا يكون فقط عبر الحماس والانفعال، وإنما عبر وجود شخصيات محترفة ومتخصصة قادرة على عرض المواقف القومية المصرية بصورة ذكية ومتوازنة، تحترم عقل المتلقي وتستطيع الوصول إليه دون صدام أو توتر أو خطاب دفاعي متشنج.
ومن هنا أرى أن الجاليات المصرية في الخارج تحتاج إلى مرحلة جديدة من العمل، تقوم على عدة مبادئ أساسية:
- التخصص بدل العشوائية.
- التخطيط بدل ردود الأفعال.
- الخطاب المهني بدل الانفعال.
- بناء العلاقات بدل الاكتفاء بالشكوى.
- العمل المؤسسي بدل الجهود الفردية المؤقتة.
- الاستثمار في الكفاءات الإعلامية والثقافية القادرة على التأثير الحقيقي.
كما أن من الضروري الانتقال من دائرة “الحديث الداخلي” إلى مرحلة التواصل الخارجي الحقيقي، لأن واحدة من أخطر أوجه القصور في مثل هذه النقاشات أننا غالبًا ما نتحدث مع أنفسنا ولأنفسنا، بينما التأثير الحقيقي يفترض أن يتوجه إلى الأطراف الأخرى وإلى الرأي العام الأوروبي بلغته وأدواته وأساليبه.
ولهذا، فإن الأجدى ليس فقط أن نجتمع ونتحدث عن حب مصر، بل أن نمتلك استراتيجية طويلة الأمد تُحدد:
ماذا نريد أن نقول؟ ولمن نقول؟ وكيف نقوله؟ ومن الذي يقوله؟
وكنت أتمنى أن تكون مثل هذه الندوات مسبوقة بأجندة نقاشية واضحة ومُحددة، تتضمن محاور عملية وخططًا قابلة للتنفيذ، حتى لا تبقى اللقاءات مجرد تبادل للكلمات العامة دون نتائج حقيقية ملموسة.
كل ما يُقال عن حب مصر أمر محل تقدير واحترام، لكن المرحلة الحالية تتطلب أن نكون أكثر تنظيمًا وواقعية واحترافية، لأن صورة الدول في الخارج لم تعد تُدار بالعواطف وحدها، بل بالعمل الذكي والمؤثر والمستمر.
وإلى حديثٍ تالٍ بإذن الله.

كلامك مظبوط جدا استاذنا الاعلامى الكبيير
الدوله المصريه محتاجه فقط العمله الصعبه من المصريين فى الخارج ومدخراتهم فقط هو ده التواصل
الحقيقى. ودعم المصريين فى الانتخابات مش محتاجين مناقشات ولا وجع دماغ