القائمة

المناخ | المُستقبل مسؤوليتنا

غرفة الأخبار شهرين مضت 0 6 ألف

أتمنى أن تبدو هذه السطور شيقة وخفيفة على القارئ، رغم أن موضوعها من أكثر موضوعات عصرنا ثقلاً وقلقًا. وربما تكمن أهميتها تحديدًا في أنها لا تدفع إلى الاكتئاب بقدر ما تدفع إلى الفهم، لأن المعرفة — مهما كانت قاسية — تظل أكثر رحمة من الإنكار.

إن شرح قصة المناخ بوضوح وإقناع ليس مُهمة سهلة، لكنني أحاول الاقتراب منها بطريقة بسيطة، بعيدة عن التعقيد العلمي الجاف أو الخطاب المذعور الذي يجعل الإنسان يشعر بالعجز الكامل.

فالحقيقة الأساسية يمكن تلخيصها ببساطة شديدة:
لقد أطلق البشر، طوال أكثر من قرن، كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، إلى درجة جعلت كوكب الأرض يشهد اليوم ارتفاعًا خطيرًا في درجات الحرارة. وإذا استمر العالم في السير على النهج ذاته، فإننا نقترب تدريجيًا من كوكب أقل صلاحية للحياة وأكثر قسوة واضطرابًا.

وهنا تحديدًا تكمن النقطة التي يغفلها كثيرون؛ فالمُستقبل لم يُحسم بعد، وما سيحدث لاحقًا ليس قدرًا نهائيًا، بل نتيجة مُباشرة للقرارات التي نتخذها الآن، كدول ومُجتمعات وأفراد.

إن تغير المناخ يبدو، بالنسبة لكثير من الناس، مُشكلة ضخمة إلى حد يبعث على الشعور بالعجز. فعندما نتابع أخبار ذوبان الجليد، وحرائق الغابات، والفيضانات، وارتفاع مستوى البحار، واختفاء بعض الكائنات الحية، نشعر وكأن العالم يتحرك نحو مصير لا يمكن إيقافه.

لكن خلف هذه الصورة القاتمة تنمو أيضًا حركة عالمية واسعة، يقودها عُلماء وناشطون وشباب ومُجتمعات كاملة، تؤمن بأن البشرية لا تزال تملك فرصة لتغيير المسار. وهذا ربما هو الجانب الأقل حضورًا في التغطيات الإعلامية اليومية: نحن لا نشاهد نهاية مكتوبة سلفًا، بل نشارك في كتابة المُستقبل بأيدينا.

وربما تبدأ المشكلة حتى من كلمة “المناخ” نفسها. فعلى المستوى العلمي البحت، لا تعني الكلمة أكثر من “متوسط حالة الطقس خلال فترة طويلة”. وكانت، لعقود طويلة، مجرد مصطلح جغرافي أو علمي لا يثير اهتمام الناس العاديين كثيرًا، مثل حركة الأنهار الجليدية أو تركيب الهواء.

لكن الكلمة اليوم لم تعد محايدة. لقد أصبحت تحمل معاني الخطر والقلق والإنذار.

فالخبراء يؤكدون، عامًا بعد عام، أن النشاط البشري غيّر توازن الأرض بصورة غير مسبوقة. الأمر لا يتعلق بدولة بعينها، ولا بقارة مُحددة، بل بكوكب كامل ترتفع حرارته تدريجيًا. المُدن الساحلية مُهددة بارتفاع مياه البحار، وموجات الحر أصبحت أكثر قسوة وتكرارًا، والأمن الغذائي العالمي يواجه ضغوطًا حقيقية، فيما تتحول الكوارث الطبيعية من أحداث استثنائية إلى ظواهر مُتكررة.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير القلق ليس فقط حجم الكارثة، بل اعتيادنا التدريجي عليها. فالعقل البشري يملك قدرة غريبة على التكيف حتى مع الأخبار المُخيفة، إلى أن تصبح جزءًا من الضجيج اليومي المُعتاد.

لديّ على جهاز الكمبيوتر مجلد أحتفظ فيه بالأخبار والدراسات المتعلقة بتغير المناخ. ومع مرور الوقت، تحول هذا المجلد إلى ما يُشبه أرشيفًا للإنذارات المُتكررة: تقارير عن مدن قد تختفي، ودرجات حرارة قياسية، وأنظمة بيئية تنهار ببطء. وفي كل مرة أقرأ دراسة جديدة، يتكرر السؤال ذاته:
هل ما زلنا نتحرك بالسرعة الكافية؟

ورغم كل هذا، لا أظن أن المطلوب هو الاستسلام للخوف، بل العكس تمامًا.
فأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان تجاه أزمة المناخ هو أن يقتنع بأن الأمر انتهى بالفعل.

لأن الحقيقة الأكثر أهمية، وربما الأكثر إنصافًا، هي أن الكوكب لم يفقد فرصته بعد.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *