كتب | سعيد السُبكي
رسالة بلا مُجاملة : إلى أبناء الجالية المصرية في هولندا
هذه ليست دعوة إلى خصومة مع أحد، وليست تصفية حسابات شخصية، وليست معركة ضد أشخاص بعينهم. إنها دعوة إلى احترام الحقيقة.
فالصمت على من ينتحلون صفات وألقابًا لا يملكونها، واستقبالهم في الفعاليات والندوات، وتقديمهم للناس باعتبارهم أصحاب مناصب رفيعة أو مؤهلات علمية أو ألقاب دولية لا سند لها، ليس مُجاملة اجتماعية كما يظن البعض، بل مشاركة فعلية في صناعة الوهم.
قد يظن البعض أن الأمر بسيط، وأن لقبًا زائدًا هنا أو هناك لن يغير شيئًا، لكن الحقيقة أن المُجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تبدأ بالتهاون مع الكذب الصغير حتى يصبح الكذب الكبير أمرًا عاديًا.
أسألكم سؤالًا مباشرًا…
ماذا ستقولون لأبنائكم عندما يسألونكم: لماذا كنتم تصفقون لمن عرفتم أنه لم يكن صادقًا؟
وماذا سيكون ردكم إذا اكتشف الجيل الجديد أن من قدمتموهم كنماذج ناجحة لم يكونوا سوى أصحاب ألقاب مصنوعة؟
إذا كان بعضكم يراهن على أن أبناءه لا يقرأون العربية، فليطمئن؛ الحقيقة لا تتحدث لغة واحدة، وإذا اقتضى الأمر فسنكتب عنها باللغة الهولندية أيضًا.
لقد طفح الكيل : من القاهرة بدأت الحكاية
تابع المصريون خلال الأيام الماضية قضية الرجل الذي ظهر مرتديًا هيئة رجل قضاء، وتداولت وسائل الإعلام أخبارًا عن انتحاله صفة مستشار وقاضٍ، وتمكنه من دخول أماكن يفترض أنها شديدة الحساسية، والتقاط صور وتسجيل مقاطع فيديو داخل مؤسسات قضائية، بل والظهور في مناسبات عامة بما يوحي بأنه أحد رجال القضاء.
وبغض النظر عن التفاصيل التي تتولاها جهات التحقيق، فإن القضية كشفت عن أمر أكثر خطورة من الشخص نفسه، وهو سهولة صناعة صورة ذهنية مزيفة عندما يجد صاحبها من يصدقه، أو من يتغاضى عنه، أو من يرى أن المجاملة أهم من الحقيقة.
لقد انقسم الناس في تفسير ما حدث.
فريق رأى أن مثل هذه التصرفات قد تكون انعكاسًا لاضطرابات نفسية تدفع صاحبها إلى اختراع شخصية يتمنى أن يكونها.
وفريق آخر اعتبر أن الأمر لا علاقة له بالمرض، بل هو سلوك احتيالي مدروس يستهدف تحقيق مكاسب مالية واجتماعية، واستغلال ثقة الآخرين.
وقد يختلف الناس في تفسير الدافع، لكنهم لا يختلفون على النتيجة.
فالنتيجة واحدة…
الكذب أصبح وسيلة للوصول.
وهولندا ليست بعيدة عن المشهد ولأن الشيء بالشيء يُذكر
فإن من يعيشون في هولندا يعلمون أن هذه الظاهرة ليست غريبة عن بعض أوساط الجالية المصرية.
فمنذ سنوات تظهر شخصيات تمنح نفسها ألقابًا لا يعرف أحد مصدرها.
مرة يقدم نفسه باعتباره “دكتورًا”، ومرة “خبيرًا دوليًا”، ومرة “سفير سلام”، وأخرى “سفير الإنسانية”، أو ممثلًا لمنظمات عالمية لا يعلم أحد عنها شيئًا، ولا يملك الجمهور أي وسيلة للتحقق من حقيقة هذه الادعاءات.
وقد لا يكون اللقب في حد ذاته هو المشكلة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول اللقب إلى وسيلة لاكتساب النفوذ، وجذب الناس، والدخول إلى المؤسسات، والجلوس في الصفوف الأولى، والحديث باسم الجالية، وفتح الأبواب المُغلقة، والحصول على مكاسب معنوية أو مادية لم يكن ليحصل عليها لولا ذلك اللقب.
المسؤولية لا تقع على المزيف وحده
من السهل أن نلقي اللوم كله على من ينتحل صفة.
لكن الأسئلة الأصعب هي : من الذي منحه الفرصة من الذي قدمه للجمهور؟ من الذي صفق له؟ من الذي نشر صوره؟من الذي خاطبه بالألقاب التي يدعيها دون أن يطلب منه دليلًا واحدًا؟
الحقيقة المؤلمة أن المسؤولية مشتركة.
فالمزور لا يستطيع الاستمرار طويلًا إذا وجد مجتمعًا يسأله: أين وثائقك؟
أما إذا وجد مجتمعًا يكتفي بالابتسام والتصفيق والمجاملات، فسوف يواصل الطريق بثقة أكبر.
الإعلام… عندما يتحول إلى شاهد زور
وهنا يأتي دور بعض وسائل الإعلام.
فالصحافة ليست مكتب علاقات عامة.
وليست مهمتها ترديد ما يقوله الضيف عن نفسه.
وظيفة الإعلام أن يتحقق.
أن يسأل.
أن يراجع.
أن يفرق بين اللقب الحقيقي واللقب المصنوع.
وللأسف، شهدنا خلال السنوات الماضية ظهور بعض أصحاب الألقاب المزعومة على شاشات وقنوات ومنصات إعلامية، حيث تم تقديمهم للجمهور بتلك الصفات دون أي تحقق مهني، وهو ما أسهم في منحهم مصداقية لا يستحقونها.
وربما لم يكن ذلك بقصد التضليل، لكنه في النهاية أدى إلى تضليل الجمهور.
لماذا أخطر مما نتصور؟
لأن القضية ليست لقبًا.
إنها قضية ثقة.
عندما يكتشف الناس أن شخصًا بنى مكانته على ادعاءات غير صحيحة، فإن الثقة لا تسقط فيه وحده، بل تمتد إلى المؤسسات التي استضافته، والجمعيات التي كرمته، والإعلام الذي احتفى به، والجمهور الذي صدقه.
وهنا تكون الخسارة جماعية.
معركتي ليست مع الأشخاص
لقد كتبت عن هذه الظاهرة منذ سنوات.
ولم يكن هدفي يومًا التشهير بأحد.
كان هدفي أن أقول إن احترام الحقيقة أهم من أي مجاملة.
وأن اللقب الحقيقي لا يحتاج إلى حملة دعاية.
ولا إلى عشرات الصور.
ولا إلى مئات الشهادات الملونة.
اللقب الحقيقي يصدر عن جهة مختصة، ويمكن التحقق منه في أي وقت.
أما اللقب الذي يخشى صاحبه من السؤال عنه، فهو لقب يستحق أن يثير علامات الاستفهام.
كلمة أخيرة
لن تنهض أي جالية وهي تكافئ الزيف.
ولن يحترمنا الآخرون إذا كنا لا نحترم الحقيقة داخل مجتمعنا.
وأكرر…
هذه ليست دعوة لمُحاكمات شعبية، ولا لتصفية الحسابات، وإنما دعوة بسيطة وواضحة:
لا تمنحوا أحدًا لقبًا إلا إذا كان مستحقًا له.
ولا تصفقوا لمن لا تعرفون حقيقة ما يدعيه.
ولا تجعلوا المُجاملة أقوى من الصدق.
فالمجتمع الذي يتسامح مع الكذب الصغير، يستيقظ يومًا ليجد نفسه محاطًا بأكاذيب أكبر.
للمزيد من القراءة :

احسنت المرسل استاذنا الكبيير للاسف الوضع محرج جدا للمؤسسات التى تدعوا من ادعى انه حامل دكتوراه او خبرات عاليه الجوده. .
وليس هناك مؤسسه قانونيه التحقق من صحه الشهادات
الأمر صعب عندما تتطاب من احد إظهار شهادته وهناك ايضا من اظهارها وبها الاختام من الخارجيه والسفارات.
مثل قيام صاحب محل بتفتيش زبون ويتبين انه ليس بسارق. بجد صعب.