القائمة

الشركات العائلية لا تخسر بسبب المنافسة فقط.. بل حين تختلط العائلة بالإدارة

Linda Seleem 10 ساعات مضت 0 4.8 ألف

بقلم د. علي الدكروري

أخطر ما يهدد الشركة العائلية ليس دائمًا تراجع المبيعات، أو ظهور منافس أقوى، أو اضطراب السوق، بل غياب النظام الذي يحدد من يملك، ومن يدير، ومن يقرر، ومن يُحاسب. فالشركة قد تكون ناجحة ماليًا، لكنها تظل معرضة للاهتزاز عندما تتحول القرارات الإدارية إلى امتداد للعلاقات العائلية، أو تصبح المناصب حقًا بالقرابة لا مسؤولية بالكفاءة.

وهذه هي الفكرة الأساسية التي يطرحها الحديث عن حوكمة الشركات العائلية: الفصل المنظم بين العائلة والملكية والإدارة، مع الحفاظ على الروابط التي منحت الشركة قوتها منذ البداية. فالحوكمة لا تسحب الشركة من أصحابها، بل تحميها من أن تتحول الخلافات الشخصية إلى أزمات مؤسسية تهدد استمراريتها.

حين تختلط الأدوار تبدأ المشكلة

المؤسس في بداية المشروع يكون غالبًا المالك والمدير وصاحب القرار الأول، وقد يكون هذا النموذج مناسبًا في مرحلة التأسيس؛ لأن السرعة ووحدة الرؤية تكونان ضروريتين. لكن مع نمو الشركة، ودخول الأبناء أو الإخوة أو الأقارب، تتعدد المصالح والتوقعات، ويصبح استمرار الإدارة بالطريقة نفسها خطرًا على المؤسسة.

فقد يرى أحد أفراد العائلة أن القرابة تمنحه حق الإدارة، بينما يرى آخر أن الملكية تعني التدخل في كل قرار. وقد يرغب طرف في توزيع الأرباح، في حين يفضل طرف آخر إعادة استثمارها. ومع غياب قواعد مكتوبة، تتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات شخصية.

وتشير إرشادات مؤسسة التمويل الدولية إلى أن من أكثر القضايا شيوعًا في الشركات العائلية: تعيين أفراد العائلة، وحقوق المساهمين، وتوزيع الأرباح، والسيولة، والخلافة الإدارية، وطرق معالجة النزاعات.

الحوكمة لا تعني إبعاد العائلة

البعض يتعامل مع الحوكمة باعتبارها مجموعة معقدة من اللوائح أو محاولة لمنح الغرباء السيطرة على الشركة، بينما حقيقتها أبسط من ذلك: أن يعرف كل شخص دوره وحدود صلاحياته، وأن تُتخذ القرارات وفق مصلحة المؤسسة، لا وفق قوة العلاقة العائلية.

الحل ليس إخراج العائلة من الشركة، بل إخراج المزاجية من الإدارة.

يمكن لأفراد العائلة أن يكونوا ملاكًا ومديرين وأعضاء في مجلس الإدارة، لكن بشرط أن تكون هناك معايير واضحة للكفاءة والتعيين والتقييم والمساءلة. فالابن أو الأخ الذي يعمل في الشركة يجب أن يخضع لنفس قواعد الأداء التي يخضع لها أي مسؤول آخر، لأن حماية المؤسسة هي في النهاية حماية لثروة العائلة وسمعتها ومستقبل أجيالها.

الحل يبدأ من ست خطوات واضحة

أولًا، وضع ميثاق عائلي مكتوب يحدد رؤية العائلة للشركة، وقواعد دخول أفرادها إلى العمل، وشروط التعيين والترقية، وسياسة توزيع الأرباح، وانتقال الملكية، وكيفية التعامل مع الخلافات.

ثانيًا، إنشاء مجلس إدارة حقيقي لا يقتصر دوره على الموافقة الشكلية، بل يضع الاستراتيجية، ويراقب أداء الإدارة، ويشرف على المخاطر والرقابة الداخلية، ويضمن وجود خطة واضحة للخلافة القيادية. وهذه من الوظائف الأساسية التي تؤكدها أدلة الحوكمة الصادرة عن مؤسسة التمويل الدولية.

ثالثًا، الفصل بين مجلس العائلة ومجلس الإدارة. فمجلس العائلة يناقش شؤون أفرادها وعلاقتهم بالشركة، بينما يناقش مجلس الإدارة الاستراتيجية والنتائج والاستثمار والمخاطر. الخلط بين المجلسين يجعل القضايا الشخصية تدخل إلى غرفة القرار التجاري، ولذلك توصي ممارسات الحوكمة بإبقائهما منفصلين.

رابعًا، إعداد خطة خلافة قبل الحاجة إليها، لا بعد غياب المؤسس أو مرضه. يجب تحديد من يمكنه تولي القيادة، وكيف يتم تأهيله، وما البدائل إذا لم يوجد داخل العائلة شخص مناسب. القيادة ليست ميراثًا تلقائيًا، بل مسؤولية تحتاج إلى استعداد وكفاءة وقبول مؤسسي.

خامسًا، الاستعانة بعدد مناسب من الأعضاء المستقلين أو المستشارين الذين يمتلكون خبرة مالية أو قانونية أو تشغيلية، ويستطيعون تقديم رأي موضوعي بعيدًا عن الحساسيات العائلية.

سادسًا، وضع آلية معلنة لحل النزاعات، تبدأ بالحوار المنظم، ثم الوساطة، ثم التحكيم عند الضرورة، بدلًا من ترك الخلاف يتفاقم حتى يقسم العائلة ويعطل الشركة.

الاستمرار أهم من نجاح جيل واحد

نجاح المؤسس في بناء الشركة إنجاز كبير، لكن الإنجاز الأكبر هو بناء مؤسسة تستطيع الاستمرار من بعده. فالشركة التي تعتمد على فرد واحد قد تكون قوية في حضوره، لكنها تصبح ضعيفة عند غيابه. أما الشركة التي تعتمد على نظام واضح، فإنها تحافظ على روح المؤسس، دون أن تظل أسيرة وجوده.

خلاصة الدكروري

الشركات العائلية لا تحتاج إلى الاختيار بين قوة العائلة واحتراف الإدارة؛ فهي تستطيع الجمع بينهما عندما تصبح العلاقة قائمة على قواعد واضحة. فالعائلة تؤسس الثقة، لكن الحوكمة تحميها، والمؤسس يصنع البداية، لكن النظام هو الذي يضمن الاستمرار عبر الأجيال.

د. علي الدكروري

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *