إعداد: سعيد السبكي
لم يعد يربط هولندا وروسيا اليوم سوى الحد الأدنى من القنوات الدبلوماسية اللازمة لتسيير شؤون السفارتين، بعد أن وصلت العلاقات بين البلدين إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسي والأمني. فالعلاقة التي كانت تقوم يومًا على التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري تحولت خلال العقد الأخير إلى واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا داخل أوروبا.
من التعاون إلى المواجهة
قبل سنوات، كانت هولندا من أبرز الشركاء التجاريين لروسيا في أوروبا، مستفيدة من موقعها كمركز لوجستي عالمي وميناء روتردام الذي يعد بوابة رئيسية للتجارة الأوروبية. لكن سلسلة من الأحداث السياسية والأمنية قلبت المشهد رأسًا على عقب.
ويرى محللون أن البداية الحقيقية للتدهور تعود إلى عام 2014، مع إسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية MH17 فوق شرق أوكرانيا، في حادث أودى بحياة 298 شخصًا، بينهم 196 هولنديًا. ومنذ ذلك الحين أصبحت القضية جرحًا مفتوحًا في الوعي الهولندي، بينما ترفض موسكو الاتهامات الغربية المتعلقة بمسؤوليتها عن الحادث.
حرب أوكرانيا عمّقت الانقسام
جاء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 ليزيد الفجوة بين البلدين. فقد انضمت هولندا إلى العقوبات الأوروبية ضد موسكو، وقدمت دعماً سياسياً وعسكرياً وإنسانياً لكييف، في حين ردت روسيا بإجراءات مضادة ووصفت المواقف الهولندية بأنها منحازة للسياسات الغربية.
وتبع ذلك تبادل لعمليات طرد الدبلوماسيين وتقليص حجم البعثات الرسمية، ما أدى إلى انكماش التواصل السياسي إلى حدوده الدنيا.
أزمة السفارات
تشير تقارير إعلامية هولندية إلى أن الحوار بين لاهاي وموسكو بات يقتصر في كثير من الأحيان على المسائل الإدارية، مثل أوضاع العاملين في السفارات، وإجراءات التأشيرات، وصيانة المقار الدبلوماسية.
ويرى خبراء أن هذا الوضع يعكس غياب الثقة بين الجانبين، وأن السفارات أصبحت تؤدي دورًا قنصليًا محدودًا أكثر من كونها قنوات للحوار السياسي.
الاستخبارات والأمن
من أبرز أسباب التصعيد الاتهامات المتكررة التي وجهتها السلطات الهولندية إلى روسيا بمحاولات تجسس وأنشطة استخباراتية تحت غطاء دبلوماسي، وهو ما دفع الحكومة الهولندية إلى تقليص عدد الدبلوماسيين الروس وإغلاق بعض المكاتب المرتبطة بالبعثة الروسية.
في المقابل، نفت موسكو هذه الاتهامات، واعتبرتها جزءًا من حملة سياسية تستهدفها، وردت بإجراءات مماثلة بحق البعثة الهولندية.
الاقتصاد يدفع الثمن
لم تسلم العلاقات الاقتصادية من هذا التوتر. فقد أدت العقوبات الأوروبية والقيود المالية إلى تراجع حجم المبادلات التجارية والاستثمارات، خاصة في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية، رغم استمرار بعض الأنشطة التجارية في إطار الاستثناءات القانونية.
لاهاي بين القانون الدولي والسياسة
تحتضن مدينة لاهاي العديد من المؤسسات القضائية والدولية، ما يمنح هولندا دورًا خاصًا في ملفات العدالة الدولية. وقد جعل ذلك من قضايا مثل إسقاط طائرة MH17 والتحقيقات الدولية جزءًا من السياسة الخارجية الهولندية، وهو ما أسهم في زيادة الاحتكاك مع موسكو.
هل يمكن إصلاح العلاقات؟
يرى مراقبون أن عودة العلاقات إلى سابق عهدها تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا واستمرار الخلافات حول الأمن الأوروبي والعقوبات. ومع ذلك، فإن الحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة، ولو في حدها الأدنى، يظل ضروريًا لتجنب مزيد من التصعيد وإدارة الملفات الإنسانية والقنصلية.
وتكشف الأزمة الحالية بين هولندا وروسيا كيف يمكن لأحداث سياسية وأمنية متراكمة أن تعيد تشكيل علاقات استمرت لعقود. فبين قضية MH17، والحرب في أوكرانيا، والاتهامات المتبادلة بالتجسس، أصبحت العلاقة محكومة بانعدام الثقة أكثر من أي وقت مضى، بينما تقتصر الاتصالات الرسمية على الحد الأدنى اللازم لإبقاء الجسور الدبلوماسية قائمة، انتظارًا لظروف سياسية قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار.
