القائمة

غربة الملح والذهب: حين يحسد المغترب على شقائه

Linda Seleem 17 ساعة مضت 0 6.3 ألف

بقلم د.ليندا سليم


حين يعلن المغترب عن موعد عودته إلى أرض الوطن، تشرق الوجوه بالانتظار، وتتأهب العيون لترقب العائد المحمل في مخيلتهم بسلاسل الذهب، وسبائك النفط، وحقائب الدولارات،لكن خلف هذا البريق المزيف الذي نسجته الثقافة الشعبية، تختبئ أسرار الغربة الحزينة، وحكايات رجال ونساء طحنتهم الأيام بعيداً عن الديار. وخصوصاً مغتربي المملكة العربية السعودية، الذين عاشوا منذ عام 2017 تحولات درامية كبرى؛ فالرسوم المتصاعدة والضرائب أجبرت نسبة هائلة منهم على اتخاذ القرار الأصعب: إنهاء إقامات زوجاتهم وأولادهم، واستبدالها بتأشيرات زيارة متأرجحة، أو اختيار البقاء معاً والتضحية بكل أشكال الترفيه والراحة من أجل الحفاظ على “لم الشمل”، لتتحول تلك الأموال التي كان يُظن أنها تُدخر في البنوك إلى فواتير ورسوم تُدفع شهرياً لمجرد البقاء مستورين، ومع ذلك، يظل المغترب محط حسد الأعين التي لا ترى من مشهده إلا اللقطة الأخيرة، غافلة عن ثمن الصبر والدموع.

إن أشد ما يؤلم في هذه الظاهرة الاجتماعية هو هذا الانفصال الوجداني بين واقع المغترب المسكين وبين نظرة المجتمع له.،لقد حذرنا القرآن الكريم من آفة النظر إلى ما في أيدي الآخرين بغير علم، وحسدهم على أوهام، حيث يقول الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 54]والمفارقة هنا أن هذا “الفضل” المحسود في الغربة غالباً ما يكون مجرد ستر يخفي وراءه انكساراً كبيراً؛ فالمجتمع يحسد إنساناً ماتت مشاعره من شدة الشوق، أو أباً قضى سنوات شبابه يركض في ساقية العمل ليؤمن لأولاده حياة كريمة، دون أن يدرك هذا الحاسد أن هناك مغتربين مر عليهم تسع سنوات وأكثر لم يروا فيها وجوه أمهاتهم وآبائهم، وأن هناك من مات له عزيز في وطنه، أو ولد له طفل، ولم يستطع حتى إلقاء نظرة الوداع أو الاستقبال لأن إقامته “مطوفة” بسبب الإعسار المادي والعجز عن سداد الرسوم المتراكمة.

تتعدد الصور الإنسانية القاسية داخل بيوت الغربة المغلقة، لتبلغ ذروة المأساة في تلك الحالات الصعبة والمفجعة؛ حيث يعيش بعض هؤلاء المغتربين في عزلة تامة، يموت أحدهم وحيداً في شقته المغتربة، بعيداً عن أهله ووطنه، ولا يعلم بموته أحد من جيرانه أو زملائه إلا بعد أيام عندما تشم رائحة جسده المنهك من أبواب البناية. هذا المشهد المأساوي هو تجسيد حي لغربة الملح، حيث يذوب الإنسان بصمت من أجل الآخرين، بينما يظن أهله في الوطن أنه يعيش في رغد من العيش ونعيم الذهب. إن هؤلاء المستورين الذين يبتسمون في مكالمات الفيديو القصيرة، ويخفون دمعاتهم خلف شاشات الهواتف، يحملون غصصاً ثقيلة في صدورهم، وتتحول عودتهم للاستقرار أو الزيارة أو تخليص الأوراق إلى رحلة محفوفة بالخوف والقلق، بدلاً من أن تكون واحة للأمان والراحة.

إن إدراك البُعد الإنساني والحساس لحياة المغترب يتطلب من المجتمع تفعيل قيم الرحمة والدعاء بدلاً من الحسد والنظر الشاخص؛ فالغربة ليست آبار نفط تتدفق، بل هي قطعة من العذاب يشتري فيها الإنسان لقمة العيش بقطع من روحه وعمره.


كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *