القائمة

الزنا،الخيانةوالإغتصاب:أين ذهبت وعود التحرر

Linda Seleem شهر واحد مضت 0 2 ألف

بقلم د. ليندا سليم

لسنوات طويلة، سمعنا الخطاب نفسه يتكرر: دعوا الناس أحرارًا، ارفعوا القيود، ابتعدوا عن مفاهيم الحلال والحرام، فالكبت هو أصل المشكلة، والتحرر الجنسي هو الطريق إلى مجتمع أكثر سعادة وتسامحًا واستقرارًا.

وبعض أبناء مجتمعاتنا لم يكتفوا بسماع هذه الأفكار، بل أخذوا يروجون لها وكأنها حقائق علمية لا تقبل النقاش، وسخروا من كل حديث عن العفة أو غض البصر أو قدسية الأسرة، باعتبارها أفكارًا قديمة تجاوزها الزمن.

لكن بعد كل هذه العقود من الانفتاح الجنسي غير المسبوق، يحق لنا أن نسأل سؤالًا بسيطًا: أين ذهبت الوعود؟

إذا كان الزنا هو الحل، فلماذا لم تختفِ الخيانة الزوجية؟

وإذا كانت العلاقات المفتوحة هي العلاج، فلماذا لم تتوقف حالات التحرش و الاغتصاب والعنف الجنسي؟

وإذا كان التحرر من الضوابط الأخلاقية سيجعل الإنسان أكثر توازنًا، فلماذا ما زالت المجتمعات التي تبنت هذا النموذج تعاني من التفكك الأسري والعزلة والوحدة والأزمات النفسية؟

المشكلة أن البعض تعامل مع الإنسان وكأنه مجرد جسد، بينما الإنسان في حقيقته روح وعقل وقيم ومشاعر ومسؤوليات قبل أن يكون شهوة.

لقد أقنعوا الناس أن إشباع الرغبات بلا حدود سيجلب الراحة، لكن الواقع أثبت أن الرغبة البشرية لا تعرف الشبع،فما كان مثيرًا بالأمس يصبح عاديًا اليوم، وما كان يكفي اليوم لا يكفي غدًا ولهذا يتحول البحث عن المتعة عند البعض إلى دائرة لا تنتهي.

وحين يصبح الجنس محور الثقافة والإعلانات والأفلام والأغاني ومواقع التواصل، فإنه لا يفقد سطوته على الإنسان، بل يزداد حضورًا وهيمنة على تفكيره وسلوكه.

والمؤلم أن بعض مجتمعاتنا العربية لم تستورد من الغرب علومه ولا انضباطه ولا احترامه للوقت والقانون، بل استوردت أكثر منتجاته رخصًا واستهلاكًا: الهوس بالجسد.

صرنا نرى أطفالًا يتحدثون فيما كان الكبار يستحيون من الخوض فيه، وشبابًا يقيسون الرجولة بعدد العلاقات لا بصدق الكلمة أو تحمل المسؤولية، وفتيات يُقنعهن البعض أن قيمتهن فيما يكشفنه لا فيما يحملنه من علم أو خلق أو شخصية.

والأخطر أن هذا التحول لم يعد محصورًا في المدن الكبرى، بل تسلل إلى الأحياء الشعبية والقرى التي كانت يومًا مضرب المثل في الستر والمحافظة.

كان الرجل البسيط يفتخر بسمعته، وكانت الأسرة تحرس أبناءها بالقيم قبل الجدران، وكانت كلمة “العيب” تردع أحيانًا أكثر مما يردع القانون.

أما اليوم، فقد أصبح الجنس مادة يومية للنقاش والمزاح والمحتوى الرائج، حتى بدا وكأن أمة كاملة تُدفع دفعًا لتجعل الغريزة أكبر من حجمها الطبيعي.

والحقيقة أن الإسلام حين حرم الزنا لم يكن يصادر الفطرة، بل كان يحميها من الفوضى.

لم يكن يحارب الحب، بل يحفظه من الابتذال.

ولم يكن يعادي الرغبة، بل يضعها في إطار يحفظ كرامة الإنسان واستقرار الأسرة وحقوق الأبناء.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.

تأملوا هذا الوصف القرآني الدقيق: “ساء سبيلًا”.

إنه ليس مجرد تحريم لفعل، بل تحذير من طريق كامل، طريق يبدأ بلحظة شهوة عابرة وقد ينتهي بقلب مكسور، أو أسرة مهدمة، أو طفل يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، أو مجتمع يفقد بوصلته الأخلاقية شيئًا فشيئًا.

لهذا لا ينبغي أن ننخدع بالشعارات البراقة.

فالتحرر الحقيقي ليس أن يصبح الإنسان عبدًا لرغباته، بل أن يمتلك القدرة على ضبطها.

والتقدم الحقيقي ليس في كسر كل الحدود، بل في معرفة أي الحدود وُضعت لتحمي الإنسان لا لتقيده.

وبعد كل ما نراه اليوم من زنا وخيانة واغتصاب وتفكك أسري وهوس جنسي يملأ الشاشات، يبقى السؤال قائمًا:

إذا كان هذا هو التحرر الذي وُعدنا به فأين ذهبت وعوده بتقليص الجرائم التي لم يمنعها بل وزادَ سوءَ.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *