القائمة

إخماد نيران الغضب وحصار من يُشعلها فى الشارع المصري | كيف يمكن إنقاذ حالة التوازن ؟ :2

غرفة الأخبار 3 أشهر مضت 0 9.4 ألف

في مقالتي السابقة، وجّهت رسالة صادقة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعنوان : ( بين صمت الشارع وغليانه… رسالة عاجلة إلى الرئيس السيسي ) حاولت فيها نقل صورة واقعية لما يعتمل في الشارع المصري من ضغوط ومشاعر قلق تتصاعد بصمت، واستعرضت مجموعة من المؤشرات التي تنذر بخطر حقيقي إذا ما استمر تجاهلها أو التقليل من شأنها.

لم تكن تلك الرسالة دعوة للتشاؤم، بل محاولة لقراءة المشهد كما هو، بعيدًا عن التجميل أو التهوين، انطلاقًا من إيمان بأن مواجهة المشكلات هي الخطوة الأولى نحو حلها. واليوم، أعود في هذه المقالة لا لأكرر ما قيل، بل لأنتقل خطوة أبعد، حيث أطرح مجموعة من المقترحات العملية التي يمكن أن تسهم في احتواء الأوضاع، وتخفيف حدة الضغوط عن المواطن، واستعادة التوازن الاجتماعي قبل أن تتفاقم التحديات إلى ما لا تُحمد عقباه.

في ظل ما يعيشه الشارع المصري من ضغوط متراكمة، لم يعد كافيًا توصيف الأزمة أو التحذير من تداعياتها، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى طرح حلول عملية قابلة للتنفيذ، تستهدف استعادة التوازن الاجتماعي قبل أن تتفاقم الأوضاع إلى مستويات يصعب احتواؤها. فالدولة بمؤسساتها الحكومية، بما تملكه من أدوات، قادرة على تهدئة المشهد، ليس عبر الإجراءات الأمنية فقط، بل من خلال سياسات اجتماعية واقتصادية تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

إن نقطة البداية الحقيقية تكمن في ملف الأسعار، الذي أصبح العنوان الأبرز لمُعاناة المواطن، حيث لم تعد الزيادات المُتتالية في أسعار السلع الغذائية مسألة عابرة، بل تحولت إلى ضغط يومي يمس كل بيت. ومن هنا، فإن التدخل الحكومي لم يعد خيارًا بل ضرورة، عبر تفعيل رقابة حقيقية على الأسواق، ومنع المُمارسات الاحتكارية، وإعادة ضبط سلاسل التوريد بما يضمن وصول السلع الأساسية بأسعار عادلة. كما يمكن توسيع دور المنافذ الحكومية والتعاونية لتوفير بدائل مُنخفضة التكلفة، بما يخلق توازنًا في السوق ويحد من جشع بعض التجار.

ولا يقل ملف الصحة خطورة، إذ بات العلاج في كثير من الحالات عبئًا يفوق قُدرة المواطن، وهو ما يستدعي تحركًا عاجلًا لضبط أسعار الأدوية، وضمان توافرها في المستشفيات والصيدليات، مع إعادة النظر في منظومة التأمين الصحي بحيث تشمل الفئات الأكثر احتياجًا بشكل فعلي، لا نظري. فالرعاية الصحية ليست رفاهية، بل حق أساسي، وأي خلل فيها ينعكس مُباشرة على الاستقرار الاجتماعي.

أما التعليم، الذي يمثل استثمار الدولة الحقيقي في المستقبل، فلا يمكن أن يظل رهين الأزمات المتراكمة، حيث تحتاج المنظومة إلى إصلاح شامل يبدأ من تحسين أوضاع المُعلمين، ويمتد إلى تطوير المناهج الدراسية وربطها بمتطلبات الواقع، وصولًا إلى تخفيف الأعباء المالية عن الأسر التي أصبحت تتحمل تكاليف إضافية تثقل كاهلها. فالتعليم الجيد لا يصنع فقط كوادر مؤهلة، بل يخلق شعورًا عامًا بالعدالة وتكافؤ الفرص.

وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية تبني سياسات حماية اجتماعية أكثر مرونة وفعالية، تستهدف الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة الاقتصادية، سواء من خلال دعم نقدي مباشر، أو عبر برامج غذائية وصحية مدعومة، تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة. فالتجارب الدولية تثبت أن الحفاظ على الطبقات الأكثر هشاشة هو خط الدفاع الأول ضد أي اضطراب اجتماعي.

كما أن استعادة الثقة بين المواطن والدولة تتطلب قدرًا أكبر من الشفافية، عبر مصارحة الناس بحقيقة التحديات، وإشراكهم في فهم القرارات الاقتصادية، بدلًا من تركهم فريسة للشائعات أو التفسيرات المتضاربة. فالمواطن، بطبيعته، قادر على التحمل، لكنه يحتاج إلى وضوح وعدالة، وإلى إحساس بأن الأعباء موزعة بشكل مُنصف.

ولا يمكن إغفال البُعد الأمني في هذا السياق، لكن التعامل معه يجب أن يكون في إطار شامل، يربط بين الأمن والتنمية، لأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة فقط، بل بالعدالة الاجتماعية. فحين يشعر المواطن أن احتياجاته الأساسية مُلباة، وأن مُستقبله ليس مُهددًا، يصبح هو نفسه عُنصرًا فاعلًا في حماية الاستقرار.

إن تجنب أي انفجار اجتماعي مُحتمل لا يخدم فقط المواطن، بل يصب في مصلحة الدولة نفسها، لأن تكلفة الإصلاح المُبكر، مهما كانت مرتفعة، تظل أقل بكثير من تكلفة الأزمات حين تتفاقم. والتاريخ، في أكثر من تجربة، يثبت أن تجاهل المؤشرات الصغيرة قد يؤدي إلى نتائج كبيرة لا يمكن التنبؤ بمداها.

وفي هذا السياق، فإن التحرك السريع، المدروس، والعادل، هو السبيل الوحيد لإعادة ضبط المسار، وإخماد نيران الغضب قبل أن تتحول إلى واقع يصعب السيطرة عليه. فالمعادلة واضحة:

وفي النهاية، يبقى الأمل قائمًا في قدرة الدولة المصرية، بقيادتها ومؤسساتها، على استيعاب اللحظة، واتخاذ ما يلزم من قرارات تعيد التوازن للمجتمع، وتحفظ كرامة المواطن، وتصون استقرار الوطن.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *